وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين…

من ذا الذي يعوّض الروحَ إذا نُزفت؟
ومن يردّ للعمر ما تساقط من تقاويمه حين تُكسر الخواطر وتُؤجل الأحلام؟
سبعة أعوامٍ مضت لا كأعوام الناس، بل كصمتٍ ثقيل لا يُسمع إلا في أعماق النفس.
منذ عودتي من بلد الابتعاث، حين حُرمت عنوة من إكمال دراستي، ولم يكن بيني وبين شهادة الدكتوراه سوى فصل دراسي واحد للمناقشة…
فصلٌ قصيرٌ في ظاهر الزمن، طويلٌ كالعمر في فقه الخسارة.

أي يدٍ تلك التي امتدت لا لتبني، بل لتقصي وتُقصي؟
أي عقلٍ ذاك الذي استبدل الكفاءة بالتصنيف، والاجتهاد بالتهميش؟
وأي ظلمٍ أثقل من أن تُمنع من إكمال طريقك، لا لعجزٍ، بل لحقد؟
أي قلوب تلك التي لم تكتفِ بوأد حلمي، بل عملت على محاصرة بقايا ذلك الحلم بالغرامات، وكأنك حين تُظلم، تُطالب فوق ذلك بثمن الظلم!
ولكن،
ليست الشهادة وحدها ما فُقِد…
فقد ضاع من عمري ما لا يُعوّض،
ضاعت سنوات لم أكن فيها حاضرًا كما كنت أتمنى لأبنائي،
غبتُ عن تفاصيل نموّهم، عن مذاكراتهم، عن قلق اختباراتهم، عن ضحكات مساءاتهم،
لا لغيابٍ جسدي، بل لأن ظلّ الظلم كان أطول من حضوري.
من يعيد لي تلك اللحظات؟
من يُرجع لي أدواري التي سُلبت مني كأبٍ كان الحلم أن يكون قدوة لا غائبًا خلف أوراق القضايا وتقارير الأطباء؟

نعم،
حتى سعادتي سُرقت…
وعشتُ بدلًا منها سبع سنوات من اكتئابٍ شديد، موثّق في التقارير الطبية،
سنواتٌ خالية من اللون والضوء،
سنواتٌ اختبأت فيها الحياة خلف ستائر الحزن،
تسللت خلالها العِلل إلى جسدي، واستوطن السكّري دمي، وارتفع الضغط في عروقي،
كأن الجسد نفسه لم يتحمّل كل هذا الثقل الذي فرضوه عليّ ظلمًا وعدوانًا.

ثم ماذا؟
شُوهت سمعتي، وتلاعبوا بصورة حياتي كما يشاؤون،
لا لذنبٍ اقترفته، بل لأنهم أرادوا إسكات النور الآتي من نجاحي.
ورغم ذلك، نعم، ربحت القضية بحكمٍ صادرٍ من ديوان المظالم، عن المحكمة الإدارية بالرياض، لكن… وماذا بعد؟
هل سيُعيد لي الحكم ما كُسر؟
هل سيُرمّم السنوات المهدورة من حياتي؟
هل سيُرجع الأحضان المفقودة، والفرص المسروقة، والضحكات المؤجلة؟

أيها الأحبة، لقد ربحت قضيتي ولكن بعد ماذا؟
بعد أن اشتعل الرأس شيبًا،ورق العظم وهنا،
بعد أن تعلّمت – بالمشقّة – أن الحق لا يُمنح، بل يُنتزع، وأن العدل، وإن تأخر، لا يموت، كما أن وعد الله لا يُخلف حين قال:
“وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.”

إن هذا “الحين”،
هو مساحة اختبارٍ قاسية،
تُنبت فيها النفس صبرًا،
وتنمو فيها البصيرة كما تنمو الأشجار وسط العواصف.

ومع كل ذلك… استطيع القول بأنني لم أُهزم.
بل إن تجربتي تكثّفت،وأن رؤيتي نضجت، كما أن الألم تحوّل في داخلي إلى بصيرة.
لذلك سأكتب، وسأشهد، وسأروي………
بأن الظلم مهما طال، فإن للحق وقتًا لا يتقدّم ولا يتأخّر.
إن حقي لم يضع، ولكن موعد ظهوره تأخر وقد يكون تأخر كثيراً، لحكمة أرادها سبحانه، ، كما أن شموعي لم تنطفيء،ولكنها احترقت لتضيء درب غيري.
وتأسيساً على ما سبق، فأنني كما هو حال غيري مما نزلت بهم النوازل، سنظل ننتظر وعد الله، لا بقلق، بل بسكينة من أيقن أن الله لا ينسى،ولا يُهمل، ولا يُخلف وعده أبداً.

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى