ميليشيات حميدتي تكتب أبشع فصول التطهير العرقي في إفريقيا

ما يحدث اليوم في مدينة الفاشر بالسودان ليس حربا أهلية عابرة، ولا مواجهة عسكرية عادية يمكن أن تبررها سرديات السياسة أو التنازع على السلطة، بل هو فصل جديد من فصول الإبادة الجماعية الممنهجة التي ترتكب بدم بارد على يد ميليشيات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروفة باسم “حميدتي”، ضد المدنيين العزل من أهل المدينة ومحيطها. الفاشر اليوم تختصر مأساة أمة بأكملها، مأساة تتجاوز الجغرافيا، وتخترق وجدان الإنسانية.
التقارير التي تخرج من هناك لا تحتمل اللبس ولا التأويل؛ فهي تتحدث عن إعدامات ميدانية بالجملة، عن رجال اقتيدوا من بيوتهم وأعدموا أمام أسرهم، وعن نساء تعرضن لاغتصابات جماعية مهينة، وعن أطفال فقدوا آباءهم وجروا إلى معسكرات الإذلال، وعن مستشفيات أُحرقت ومخيمات نازحين سويت بالأرض. إنها جرائم مكتملة الأركان وفق القانون الدولي الإنساني، تمس كرامة الإنسان في صميمها، وتشكل انتهاكا واضحا لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
لقد تجاوزت هذه الأفعال، في وحشيتها وتنظيمها، ما رأيناه في غزة أو في أي مسرح من مسارح الحروب الحديثة، لا سيما في ما يتعلق بالاغتصاب كسلاح حرب، وبالتصفية الجماعية للمدنيين كوسيلة لتغيير البنية السكانية. إنها حرب تدار بعقلية الإبادة، لا بعقلية القتال. ميليشيات مدربة وممولة ومدعومة تمارس القتل كأنها تنفذ خطة هندسية لإفراغ المدينة من أهلها.
لكن المسؤولية لا تتوقف عند المقاتل الذي يضغط على الزناد، بل تتعداه إلى من يمده بالمال والسلاح والوقود والمعلومة. فالقانون الدولي واضح وصريح في تحديد المسؤولية المشتركة: كل من يمول أو يحرض أو يسهل ارتكاب الجريمة يعد شريكا فيها. ومن هذا المنطلق، فإن الداعمين لميليشيا حميدتي – من أي جهة كانوا – يتحملون المسؤولية الأولى عن كل دم يراق، وكل امرأة تغتصب، وكل طفل يقتل جوعا أو رعبا. هؤلاء ليسوا شركاء في السياسة، بل شركاء في الجريمة، ويجب أن يحالوا إلى العدالة الدولية بوصفهم جزءا من منظومة القتل الممنهج.
المجتمع الدولي بدوره يواصل فشله الأخلاقي المريع، إذ يتعامل مع المآسي الإنسانية بمكيالين. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على سبيل المثال، هدد نيجيريا بالحرب دفاعا عن المسيحيين، بينما لم ينبس بكلمة واحدة عما يحدث في الفاشر من مجازر بحق المسلمين. هذا الصمت ليس بريئا، بل هو وجه صارخ من ازدواجية المعايير التي تفرق بين دم وآخر بحسب الدين والانتماء. كيف يمكن لعالم يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان أن يتجاهل مذبحة بحجم الفاشر، وأن يصم أذنه عن صرخات النساء المغتصبات، وأوجاع الجياع، وأن يكتفي بالتصريحات الفارغة عن “القلق البالغ”؟
من زاوية التحليل العسكري، ما يجري في الفاشر ليس قتالا على الأرض بقدر ما هو تطهير عرقي منظم. الميليشيات تطوق المدينة، تقطع الإمدادات، ترهق السكان بالجوع والعطش، ثم تهاجم لفرض النزوح القسري وإخلاء المنطقة من سكانها الأصليين. إنها سياسة “الأرض الخالية”، التي تستخدم لطمس هوية المكان وتغييره ديموغرافيا. في كل ذلك، يقف الجيش السوداني عاجزا، والمجتمع الدولي متفرجا، والأمم المتحدة غارقة في البيروقراطية والعجز.
لقد فقد النظام الدولي مصداقيته في الدفاع عن المبادئ التي تأسس عليها، لأن صمته على الفاشر يعني أن العدالة الدولية باتت انتقائية، وأن القيم التي نظمت في ميثاق الأمم المتحدة أصبحت أوراقا بلا روح. إن الإبادة في الفاشر ليست قضية سودانية محلية، بل هي اختبار للعالم كله: هل لا يزال في هذا الكوكب مكان للعدالة؟ هل يمكن أن تظل المحاكم الدولية تتجاهل الدماء إذا لم تراق في أوروبا أو أميركا؟
المطلوب الآن ليس بيانات ولا مؤتمرات، بل تحرك قانوني دولي حاسم لإحالة ملف دارفور والفاشر تحديدا إلى المحكمة الجنائية الدولية، وفرض حظر شامل على السلاح الموجه للميليشيات، وملاحقة كل من يشارك في تمويلها أو تسهيل أعمالها. كما يجب فتح ممرات إنسانية آمنة بإشراف الأمم المتحدة، وتوثيق كل جريمة بالصور والشهادات والأدلة حتى لا يمحى هذا العار من ذاكرة التاريخ.
لقد أثبتت تجارب رواندا والبوسنة أن الصمت أخطر من الرصاصة، لأن الصمت يمنح القاتل شعورا بالحصانة. وإذا استمر هذا الصمت في الفاشر، فإن العالم سيكون شريكا في الجريمة، لا مجرد شاهد عليها. إن ما يجري هناك هو وصمة عار في جبين الإنسانية، وإدانة صريحة للنظام الدولي الذي يدعي الدفاع عن الحقوق بينما يساوم على حياة الأبرياء.
الفاشر اليوم تنزف وحدها، تصرخ في وجه العالم ولا من يسمع. والضمير الإنساني يقف في غرفة الإنعاش. إن من يمول هذه الميليشيات هو المسؤول الأول عن هذه الجرائم، ومن يلتزم الصمت يشارك في الجريمة بالصمت ذاته. العدالة لا تستجدى، والإنسانية لا تنتقى، والمبادئ لا تجزأ.
لقد آن الأوان أن يتحرك الضمير العالمي قبل أن تتحول الفاشر إلى ذاكرة من رماد. فالتاريخ لا ينسى، والعدالة قد تتأخر لكنها لا تموت. سيأتي يوم تفتح فيه الملفات، وتذكر الأسماء، وتحاسب الأيدي التي دعمت وسكتت وشاركت. عندها فقط ستدرك الإنسانية أن كل روح أُزهقت هناك لم تكن رقما، بل شاهدا على سقوط العالم في اختبار العدالة.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ




