حين نصنع مخاوفنا بأيدينا/ مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

يعيش الإنسان بين واقع يراه بعينيه ومستقبل لا يراه إلا بخياله، وبينهما تتشكل كثير من مشاعره ومواقفه وتوقعاته. ومن ذلك أن بعض الناس لا يكتفون بحمل هموم يومهم، بل يرحلون إلى الغد قبل أوانه، فيشغلون أنفسهم بأحداث لم تقع بعد، ويمنحون مخاوفهم مساحة أكبر مما تستحق. وهكذا يجد المرء نفسه أسير ما يتوقعه أكثر من كونه أسير ما يعيشه بالفعل.

ولا مندوحة من القول إن الخوف من المجهول غريزة إنسانية فطرية، غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الخوف إلى رفيق دائم يبدد الطمأنينة ويستنزف السكينة. فكم من إنسان انشغل بما قد يحمله الغد حتى فقد متعة يومه، وأمضى ساعات طويلة في مطاردة احتمالات لم تخرج قط من دائرة الظن.

ومن خلال سبر أغوار النفس الإنسانية يتبين أن الإنسان حين يستسلم لمخاوفه ينظر إلى المستقبل بعين القلق لا بعين الحقيقة. فهو يركز على ما قد يفقده، ويتغافل عما يملكه من قدرة على الصبر والمواجهة. ولذلك تبدو التحديات في الذهن أكبر من حجمها، وتغدو العقبات أشد مما تكون عليه حين تحين لحظة التعامل معها.

وتأسيسا على ذلك فإن كثيرا من المعاناة التي يثقل بها الإنسان قلبه لا تنشأ من الوقائع نفسها، بل من التصورات التي ينسجها حولها. والحقيقة أن سنن الله في الحياة جارية على أن الشدائد لا تأتي مجردة من أسباب التخفيف، ولا تحضر الكربات خالية من أبواب الفرج. وما من محنة إلا ويجعل الله معها من العون ما يعين على تجاوزها، ومن السكينة ما يخفف وطأتها.

وإذا تأمل الإنسان في محطات حياته الماضية أدرك أن كثيرا مما كان يخشاه لم يكن بالضخامة التي تصورها، وأن الله قد هيأ له من أسباب العون والفرج ما لم يكن في حسبانه. بل إن بعض المنعطفات الصعبة التي ظنها يوما نهاية الطريق تحولت مع مرور الزمن إلى بدايات جديدة فتحت أمامه آفاقا لم يكن يتوقعها. غير أن هذه الحقائق لا تتكشف عادة في لحظة الألم، وإنما تظهر حين ينظر الإنسان إلى تجربته من مسافة أوسع وأكثر هدوءا.

وعلاوة على ذلك فإن القلق المفرط لا يغير من مجرى الأحداث شيئا، بل يضيف إلى أعباء الحياة عبئا آخر. فالاستعداد للمستقبل سلوك محمود، أما الارتهان الدائم للمخاوف فليس إلا استنزافا للطاقة والوقت وراحة النفس دون ثمرة حقيقية.

ومن هنا تتجلى حكمة التوكل بمعناها العميق، إذ لا تعني إهمال الأسباب ولا تجاهل الواقع، وإنما تعني أن يؤدي الإنسان ما عليه ثم يترك ما وراء ذلك لله. فالقلوب لا تطمئن بكثرة الحسابات والتوقعات، وإنما تطمئن حين تدرك أن تدبير الله أوسع من مخاوفها، وأن رحمته أعظم من كل ما يثقلها من هواجس.

ونخلص إلى القول بأن الإنسان يرهق نفسه أحيانا بما يتصوره أكثر مما يرهقه ما يعيشه فعلا. ولذلك فإن الحكمة ليست في الانشغال بما قد يحدث غدا، بل في الثقة بمن بيده أمر الغد. فالتوكل الصادق لا يغير مجرى الأحداث، لكنه يغير طريقة استقبالها، ويمنح القلب سكينة تجعله أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات وطمأنينة. ولعل أعظم ما يتعلمه الإنسان مع مرور الأيام أن الله لم يخذله في ماض مضى، فلا موجب لأن يظن أنه سيخذله في غد لم يأت بعد.

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى