من بروكسل إلى وادان.. مبادرة إنسانية تخفف وطأة العطش ونداء عاجل لإنقاذ السكان
تعيش مدينة وادان والقرى المجاورة لها هذه الأيام ظروفا بالغة الصعوبة، مع موجة حر شديدة تضرب المنطقة في وقت تتفاقم فيه أزمة المياه الصالحة للشرب بصورة تنذر بعواقب صحية وإنسانية خطيرة. فالمياه المتوفرة حاليا تعاني من ارتفاع كبير في نسبة الملوحة، فضلا عن تغير لونها، وهي مؤشرات مقلقة تجعل من الحصول على ماء صالح للشرب معركة يومية يخوضها السكان وسط ظروف مناخية قاسية لا ترحم.
ولا تقف خطورة الأزمة عند حدود ندرة المياه فحسب، بل تمتد إلى ما قد تسببه من أضرار صحية جسيمة، خاصة في صفوف الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، وهم الفئات الأكثر هشاشة في مواجهة العطش وآثار الحر الشديد. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الماء ضرورة حياة لا تحتمل التأجيل، ويغدو توفيره مسؤولية عاجلة لا تقبل التسويف.
ومنذ فترة طويلة، وسكان وادان يرفعون أصواتهم ويناشدون الجهات المختصة التدخل لإنهاء هذه المعاناة، وقد نقلت “ودان إنفو” مرارا وتكرارا شكاوى الأهالي ونداءاتهم المتواصلة، غير أن الأزمة ما تزال تراوح مكانها، بل تزداد تعقيدا يوما بعد يوم، في وقت تتصاعد فيه درجات الحرارة وتتضاعف فيه معاناة الناس.
وفي مثل هذه الشدائد تظهر معادن الرجال، ويتجلى صدق الانتماء للأرض والأهل. ومن بين أبناء المدينة الذين آلمهم ما يعانيه سكان وادان وذووهم، الشاب الشهم الكريم عبدو ولد أميه، المقيم في بروكسل ببلجيكا، والذي لم يكتف بمتابعة الأزمة من بعيد، بل بادر إلى تحمل مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية تجاه مدينته وأهلها، فأطلق على نفقته الخاصة حملة لسقاية السكان والتخفيف من معاناتهم في هذا الظرف الاستثنائي.
وقد تولت مجموعة من أبناء المدينة تنفيذ هذه المبادرة ميدانيا انطلاقا من قرية تللبه، وشارك فيها عدد من الفاعلين والمتطوعين، من بينهم سيدي محمد الحسين وسيدأحمد بدادية وغيرهما من أبناء المنطقة الذين ساهموا في إنجاح هذا العمل الإنساني النبيل.
وشملت الحملة مختلف أحياء المدينة، حيث تم تثبيت خزانات بلاستيكية مملوءة بالمياه الصالحة للشرب في الحي الإداري والحي العتيق وحي الرحبة وحي لمغيطي، إضافة إلى عدد من محاظر القرآن الكريم، لتكون في متناول السكان بصورة دائمة ومستمرة. وبذلك لم تقتصر المبادرة على توزيع المياه بشكل مؤقت، بل سعت إلى توفير نقاط سقاية ثابتة تخفف عن الأهالي مشقة البحث اليومي عن الماء وتعينهم على مواجهة هذه الأزمة الخانقة.
وما يميز هذه المبادرة أنها ليست عملا عابرا ينتهي بانتهاء يوم أو أيام معدودة، بل هي حملة مستمرة ومفتوحة أمام الجميع للمساهمة فيها بكل أشكال الدعم والمساندة والخدمة الميدانية والتنظيمية واللوجستية. أما الجانب المالي للحملة، فإن الشاب عبدو ولد أميه تكفل به كاملا من ماله الخاص، متحملا جميع النفقات والتكاليف دون استثناء، في صورة تجسد روح المسؤولية والتضامن والإحساس بمعاناة الناس.
إن ما قام به عبدو ولد أميه لا يحل أزمة المياه من جذورها، فذلك واجب الجهات المعنية ومسؤوليتها الأولى، لكنه يقدم نموذجا مشرفا للمبادرة والوفاء والانتماء عند الشدائد. فحين يشتد العطش، وتضيق السبل، وتتعالى استغاثات الناس، تصبح كل قطرة ماء عملا عظيما، ويغدو الساعي في توفيرها شريكا في حفظ الأرواح وصون الكرامة الإنسانية.
وهنا لا بد من التأكيد على أن هذا الجهد المبارك، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن يحجب أصل المشكلة، بل يجب أن يكون مناسبة لتجديد النداء إلى السلطات العليا من أجل التدخل العاجل واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتوفير المياه الصالحة للشرب لسكان وادان والقرى المجاورة لها. فمعاناة الناس بلغت مبلغا لا يخفى، واستمرار الوضع على ما هو عليه ينذر بمزيد من الأعباء الصحية والإنسانية.
كما أن الإشادة بهذه المبادرة لا تعني بحال من الأحوال إغفال أو انتقاص أي جهد آخر بذله أو يبذله أبناء المدينة في مجال السقاية أو العمل الخيري. فكل مساهمة صادقة محل تقدير واحترام، وكل يد امتدت بالعون تستحق الشكر والثناء. غير أن لكل مقام مقاله، وما قام به عبدو ولد أميه في هذه الظروف الصعبة يستحق أن يذكر ويشاد به، وأن يقدم بوصفه نموذجا وقدوة حسنة في الإحساس بالمسؤولية تجاه الأهل والمدينة.
تحية تقدير وعرفان لعبدو ولد أميه، وتحية لكل من ساهم أو يساهم في هذه الحملة الإنسانية، وتحية لكل من يحمل هم وادان وأهلها أينما كان. ويبقى الأمل معقودا على تدخل عاجل ينهي معاناة العطش، ويضمن لسكان هذه المدينة العريقة حقهم الطبيعي في الحصول على مياه صالحة للشرب، بعيدا عن شبح الندرة ومخاطر الحر ومرارة الانتظار.
ودان إنفو




