كل شيء بكى زينب… حتى الحروف “تعزية”

بكل الخشوع والانكسار، وبلسان تقطعه العبرة، وقلب أثقله الأسى والذهول، أكتب هذه الكلمات.. لا أدري إن كانت تسعفني الحروف في وجعي، أم تخونني اللغة في ساعة لا يجدي فيها إلا الصبر والرجاء، ولكن لا بد من البوح، لا بد من العزاء، لا بد من الدعاء.
بلغني ـ متأخرا ـ نبأ وفاة الغالية، الحبيبة، ابنتنا جميعا زينب، فلذة كبد أخي وصديقي عزيز “عرفات” ولد أحمدناه، تلك النبتة الطاهرة التي عرفناها منذ ولدت، وكبرت معنا في أفراحنا وهمومنا، طفلتنا التي تقاسمناها حبا ومسؤولية، وانتماء ومكانة، فإذا بها ترحل، فجأة… كأنما اختطفتها يد الموت من بين أهدابنا، وتركتنا في ذهول لا يعلمه إلا الله.
لم أعلم بالنبأ إلا البارحة، فقد كنت بعيدا عن التغطية والاتصال، وحين وصلني الخبر، أحسست وكأن جدران العالم تنهار من حولي… شعور لا يفسره إلا من عاش الصدمة نفسها… لا كلمات، لا تعابير، لا دموع تكفي، فقط صمت ثقيل، وألم غائر في أعماق القلب.
لكنني، رغم الوجع، أستمسك بحبل الإيمان، وأتشبث بوعد الله لعباده الصابرين، فأقول كما أُمرنا:
“إنا لله وإنا إليه راجعون”،وأستحضر وعده الكريم:
“وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون”.
ويكفينا يقينا ما قاله تعالى:”كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون”.
وقوله جل شأنه:”أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة”.
نعم، الموت حق، ولا مفرد منه، وهو ما عبر عنه الصحابي الجليل كعب بن زهير حين قال:
“كل ابن أنثى وإن طالت سلامته، يوما على آلة حدباء محمول”.
وإن كان في هذا الرحيل ألم لا يوصف، فإن في كلام سيد الخلق، رسول الله صلى الله عليه وسلم، سلوانا وعزاءنا، حين قال:”إذا مات ولد العبد المؤمن، قال الله للملائكة: قبضتم ولد عبدي؟ قالوا: نعم. قال: قبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم. قال: فما قال عبدي؟ قالوا: استرجع وحمدك. قال: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد”.
أليس هذا عزاء يكفينا؟ أليس فيه ما يلين القلوب المتكسرة؟ أليس فيه وعد صريح من ربنا الذي لا يخلف الميعاد؟ بلى وربي..
وقد قالت أم سلمة رضي الله عنها:”سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها”.
اللهم إنا نقولها بقلوب منكوبة، وألسنة مبللة بالدموع:إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا، وأخلف لنا خيرا منها.
أخي عزيز، يا من عرفتك ثابتا في المواقف، صادقا في المحبة، صبورا في البلاء، أعزيك بوجدان جرح، وروح تقاسمت معك الحزن، في زينب ابنتك وابنتي وابنتنا جميعا. أعزي أمها، وأخوتها، وكل آل أحمدناه، فردا فردا، بالاسم والصفة، داخل موريتانيا وخارجها، خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث الأحبة هناك يذرفون الدمع ويشاركونك الأنين.
أعزيكم جميعا، ولا أملك إلا أن أرفع يدي إلى السماء وأقول:اللهم اجعل زينب من الشهداء، ومن المقبولين عندك، واجعلها من الذين قلت فيهم:”إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون”.
اللهم اجعلها قريرة العين في قبرها، واجعل ملائكة الرحمة تحفها، واجعل الفردوس الأعلى دارها، والأنبياء والصديقين جيرانها، وارزق والديها الصبر الجميل، والأجر الجزيل، ولا تفتنهم بعدها ولا تحرمهم أجرها.
اللهم اجعل ما أصابها رفعة لها، وتطهيرا من كل سوء، وبلاغا إلى مقام الشهداء، وأنت أرحم الراحمين.
اللهم اجبر كسرنا، ولا تفتنا بعدها، وألحقنا بها غير مفتونين ولا مبدلين ولا نادمين، واجعل لنا في البلاء أجرا، وفي الحزن أملا، وفي الفقد يقينا بلقائك.
وختاما، لا نقول إلا ما يرضي ربنا، ولا نستسلم لغير حكمه، فنحن له، وإليه راجعون.
إنا لله، وإنا إليه راجعون.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أخوكم/ محمد سالم المختار الشيخ




