حكاية تجاوزت حدود الزمن.. الأمير الوليد في ذمة الله

في هذا اليوم الحزين، تلج الأرواح على مرافئ الدمع، وتثقل القلوب بكمد لا يحسن التعبير عنه قلم ولا جيد وصفه لسان. إننا لا نرثي اليوم جسدا غاب، بل نكتب شهادة للتاريخ عن قصة من أنبل قصص الوفاء وأطول دروب الصبر، قصة لم تكن حكاية فرد، بل ملحمة أمة عاشتها بوجدانها عشرين عاما.

إنها قصة الأمير الوليد بن خالد بن طلال آل سعود، الأمير النائم، الذي ارتقى اليوم إلى رحمة الله بعد غيبوبة دامت عقدين كاملين.

الأمير الذي لم يستيقظ.. لكنه أيقظ فينا الحياة.

ولد الأمير الوليد في أبريل من عام 1990، وكان حينها نبتة من غراس المجد، شابا سعوديا واعدا، تخرج من أرض الكرام، متفوقا في دراسته، نابضا بالحيوية والطموح. حتى جاء يوم عام 2005، حيث شاء الله أن يقع له حادث مروري مروع أثناء دراسته في الكلية العسكرية بلندن، غيبه عن الوعي، ولم يغيبه عن الوجود.

دخل الوليد في غيبوبة طويلة، لكن الغريب أنها لم تكن صامتة ولا ميتة، بل كانت كالحياة في معناها، تهمس في قلوب الناس وتطرق أبواب إنسانيتهم. كان الأمير نائما، لكن العالم كله ظل يراقبه كأنه مستيقظ، وكأن روحه تجوب البيوت والمجالس، فتوقظ فيهم شيئا من معاني الإيمان والتسليم والرجاء.

“يا عبادي الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا”

لقد كان الأمير الوليد وأسرته نموذجا عجيبا من نماذج الصبر. وكيف لا، والله تعالى قد وعد الصابرين بقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:10]. عشرون عاما من الغيبوبة، وموقف الأسرة هو ذات الموقف: رجاء لا ينقطع، ودعاء لا يبرد، ويقين لا يضطرب. وكأنهم كانوا يتلون قوله تعالى:﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة:216].

كان والده، الأمير خالد بن طلال، رجلا يدرس العالم دروسا في الأبوة، يجسد بحضوره الصامت ومواقفه النبيلة قول ابن القيم:”إذا أردت أن ترى صورة الصبر في أبهى حللها، فانظر إلى قلب والد ما فقد ابنه، بل ظل يراه نائما لا يتحرك، ومع ذلك ما زال يبتسم إذا ناداه ويترقب صحوته كمن يترقب فجرا أزليا لا يغيب.”

درس للأمة كلها

لم تكن قصة الأمير الوليد مأساة بقدر ما كانت رسالة. أراد الله بها أن يبعث فينا عبرة، أن يحيي بها قيما كادت تندثر: الوفاء، الإيمان بالقضاء، التعلق بالرجاء، الانكسار بين يدي الله، واليقين بقدرته. ففي زمن باتت فيه الرحمة تشترى وتباع، ضرب الأمير خالد وأسرته مثلا ناصعا في الرحمة التي لا تزاحمها مصلحة، والوفاء الذي لا يشترط نفعا.

روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له.”

وما رأيناه من هذه الأسرة الكريمة هو التطبيق العملي لهذا الحديث الشريف، في أسمى تجلياته.

أعظم الدروس من سكون الجسد

كم من زائر مر على سرير الأمير النائم فخرج متأثرا، باكيا، عائدا إلى الله؟

كم من طبيب وممرض ومرافق كتب الله له الهداية وهو يشهد هذا المشهد الإيماني النادر؟

كم من قلب قاس لان، وكم من فؤاد غافل صحا، وكم من نفس جزعة تعلمت أن تقول: “الحمد لله على كل حال”؟

قال الإمام أحمد بن حنبل:”ما من عبد ابتلاه الله بمصيبة، فأظهر الرضا، إلا كتب الله له أجر الصابرين، ولو لم ينطق بلسانه.”

وهكذا كانت أسرة الأمير الوليد، لم تنطق إلا بالتسليم، ولم تفعل إلا ما يليق بعائلة عريقة تؤمن أن الحياة بيد الله، وأن الشفاء والمعجزة ليستا أعظم من الحكمة والرضا.

لحظة الوداع.. ودموع الأرض والسماء

واليوم، شاء الله أن تكون النهاية، لا على صورة ما تمنينا، فقد كنا نرجو أن يستيقظ الوليد يوما، أن يفتح عينيه، أن يحدثنا عما رآه وهو نائم كل تلك السنين.. لكن الله اختار له راحة أبدية، وكتب له الرحيل الذي فيه السلامة، ليصعد بروحه الطاهرة إلى رب كريم.

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:27–30].

عزاء يليق بالمقام

نتوجه بأحر مشاعر العزاء والمواساة الصادقة إلى صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن طلال، والد الفقيد، ذاك الرجل الذي علمنا معنى الإنسانية في زمن تشققت فيه القلوب.

وإلى سائر أفراد أسرة آل سعود الكريمة، كل باسمه ووسمه، وإلى القيادة السعودية الرشيدة، وإلى الشعب السعودي الأصيل، وإلى كل من أحب هذا الأمير النائم في أرجاء المعمورة، نسأل الله أن يخلفهم خيرا، وأن يصبر قلوبهم، ويثبت أقدامهم.

دعاء خاشع في ختام قصة خالدة

اللهم يا واسع الرحمة، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء،اللهم اغفر لعبدك الوليد، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه.

اللهم اجعل مرضه كفارة له، وارزقه جزاء الصابرين المحتسبين، وبلغه منازل الشهداء والصالحين.

اللهم أبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة بغير حساب.

اللهم اجبر قلب أبيه وأمه وأهله، وجازهم عن صبرهم خير الجزاء، واجعل مواقفهم نورا لهم في الدنيا والآخرة، وأقر أعينهم برؤيته في جنات النعيم.

نم قرير العين يا أمير الصبر، فإنك وإن غبت عن الدنيا، فقد حفرت في ذاكرة الأمة درسا لا ينسى.

وداعا أيها النائم العظيم.. فقد علمتنا كيف يكون الصبر، وكيف يكون الحب، وكيف يكون الإيمان.

محمد سالم المختار الشيخ

نواكشوط/ موريتانيا

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى