زبيدة الأمس وعزة اليوم.. كرم لا يعترف بالزمن

في زمنٍ تتكاثر فيه الحكايات وتتناقص فيه القيم الصافية، تظهر بين الحين والآخر نماذج تعيد ترتيب المعنى في الأذهان، وتمنح للكرم وزنه الحقيقي بوصفه التزاما لا استعراضا، ومسؤولية لا رفاها. وفي هذا السياق تبرز “العزة بنت الشيخ آياه” كحالة خاصة في المشهد الموريتاني، حالة يصعب اختزالها في خبر عابر أو إشادة عاطفية، لأنها أقرب إلى مشروع متكامل للعطاء، حيث تتداخل السيرة الشخصية مع الامتداد الأسري، ويصير الجود سلوكا يوميا متراكما لا فعلا طارئا. فمن النمجاط، ذلك الفضاء الذي تشكل تاريخيا كحاضنة روحية واجتماعية، خرجت العزة وهي تحمل إرثا ثقيلا من المسؤولية، لكنها لم تكتف بحمله، بل أعادت توجيهه نحو أفق عملي، حيث يتحول الرصيد الرمزي إلى أثر ملموس في حياة الناس.
لقد استطاعت أن تفرض حضورها بهدوء الواثق لا بضجيج الباحث عن الأضواء، فغدت عند كثيرين ملاذا حين تضيق السبل، وعنوانا حين يذكر العطاء بلا شروط. لم يكن كرمها انتقائيا، ولا مشروطا بانتماء أو لون أو موقع، بل كان أقرب إلى فكرة شاملة عن الإنسان، حيث تتلاشى الفوارق أمام الحاجة، ويعلو معيار الكرامة على كل اعتبار. وفي هذا المعنى، تستحضر الذاكرة الإسلامية نموذج السيدة زبيدة بنت جعفر، تلك التي خلد التاريخ اسمها لا لأنها أنفقت فقط، بل لأنها أنفقت بوعي جعل من عطائها أثرا ممتدا عبر القرون. وعلى خط مواز، تمضي العزة في زمن مختلف، لكن بروح قريبة، حيث يتخذ الكرم شكلا مؤسسيا حينا، وتنمويا حينا آخر، وإنسانيا في كل الأحوال.
وقد تجسد هذا المنحى بوضوح في تأسيس هيئة “الشيخ آياه” الخيرية، التي لم تكن مجرد واجهة للعمل الخيري، بل إطارا منظما يحمل أهدافا دقيقة ويشتغل بمنطق الاستمرارية. فقد انصبت جهودها على دعم الفئات الهشة عبر المساعدات الغذائية والمالية، وعلى التكفل بالمرضى الذين أنهكتهم الحاجة، وعلى تمكين الأسر اقتصاديا من خلال مشاريع مدرة للدخل، مثل توفير وسائل نقل صغيرة وصهاريج مياه، بما يحول المستفيد من متلق إلى فاعل. كما امتدت هذه الجهود لتعزيز ثقافة التكافل الاجتماعي بوصفها ركيزة للاستقرار المجتمعي، وكل ذلك بتمويل ذاتي من أسرة أهل الشيخ آياه، وهو ما يمنح هذه التجربة خصوصيتها من حيث الاستقلال والاستدامة، ويجعلها أقرب إلى نموذج تنموي منه إلى مبادرات ظرفية.
ولأن العطاء الحقيقي لا يكتفي بإطفاء الحرائق بل يسعى لمنع اندلاعها، فقد اتجهت العزة إلى الاستثمار في المجال الزراعي، في خطوة يمكن قراءتها بوصفها تحولا من الإغاثة إلى البناء. لقد تحولت النمجاط، بفضل هذه الرؤية، إلى ورشة إنتاج حقيقية، حيث استثمرت الأرض والتقنيات الحديثة لإنتاج الخضروات والفواكه، وعلى رأسها البطيخ، في تجربة جمعت بين خلق فرص العمل وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي. ولم تقف النتائج عند حدود السوق المحلي، بل تجاوزته إلى التصدير نحو أوروبا، بقيمة تجاوزت 100 مليون دولار، في سابقة تعكس كيف يمكن للعمل المحلي حين يدار بعقلية استراتيجية أن يصبح جزءا من معادلة الاقتصاد الوطني. وهنا يتخذ الكرم بعدا أعمق، إذ لا يعود مجرد تحويلات مالية، بل يصبح مساهمة في الأمن الغذائي، واستثمارا في الإنسان من خلال العمل والإنتاج.
ومع ذلك، فإن هذا السخاء الواسع، على ما فيه من جمال وبهاء، لا ينفصل عن كلفة حقيقية، يدفعها صاحبه من وقته وصحته وراحته، بل وأحيانا من سمعته حين تتعدد القراءات وتختلط النوايا. لكن القاعدة التي لا تتغير تبقى حاضرة: لا يصح إلا الصحيح، ويبقى الأثر الصادق أقوى من كل تأويل. ومن هذا الباب، ومن منطلق التقدير الذي لا يمنع النصيحة، تبرز الحاجة إلى كلمة صادقة تقال لوجه الله، لا تنقص من الفضل، بل تحاول أن تضبط إيقاعه. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه”، وإذا كان الاطمئنان قائما، بإذن الله، إلى أن مصدر المال حلال، فإن جوهر التذكير هنا يتعلق بوجه الإنفاق وتحديد أولوياته.
إن ما يرى من عطاء يبعث على الفخر حقا، لكنه أحيانا قد يتسع ليشمل فئات لا تدخل في دائرة الحاجة الملحة، وهو ما يستدعي إعادة توجيه هذا السخاء نحو مسارات أكثر إلحاحا وتأثيرا، في مقدمتها الفئات الهشة التي لا سند لها، والمرضى الذين يقفون على حافة العجز، ثم الاستثمار الوطني الذي يحول العطاء إلى قيمة مضافة مستدامة. ومع ذلك، فإن الإنفاق على فئة الفنانين يظل في موضعه الصحيح، بل هو استثمار في الذاكرة الثقافية الحية، فهم صوت المجتمع ولسانه، وأهل كرم في بيوتهم قبل منصاتهم، ويكفي أن يذكر في هذا السياق الفنان الخلوق الرشيد ولد الميداح، الذي يجمع بين الإبداع والعطاء في السر والعلن، ليدرك أن دعم هذه الفئة هو دعم لروح البلد لا لمجرد أفراده.
وفي نهاية المطاف، فإن الحديث عن العزة ليس تمرينا في المدح، ولا محاولة لاصطفاف عاطفي، بل قراءة لتجربة تستحق أن توثق وأن تفهم في سياقها. ولست من الذين يمدحون الناس، فذلك مما أنا في غنى عنه والحمد لله، ولكنني كثيرا ما أسمع عن العزة وأفعالها الجليلة، وكلما تكررت هذه السيرة في مسامعي استحضرت نموذج زبيدة زوجة هارون الرشيد، فوجدتني أميل إلى أن تكون لي كلمة في هذا الموضوع، لا لغرض عابر، بل للتاريخ فقط، علها تسجل أن في هذا الزمن من لا يزال يؤمن بأن الكرم رسالة، وأن العطاء حين يقترن بالنية الصادقة يكتب لصاحبه أثرا لا يزول.
محمد سالم المختار الشيخ
نواكشوط/ موريتانيا



