الزواج ومصيبة المغالاة والمباهاة والتكاليف

السعادة في هذه الحياة مطلب عظيم، ومقصد جليل، يسعى إليها كل حي، ينشدُها بكل وسيلة، ويطلبها في كل سبيل، غير أن السعادةَ والطمأنينةَ في هذه الحياة لا تحصُل إلا بما شرَع الله عز وجل لعباده، وما أرشدهم إليه من طاعته ومرضاته، والأخذِ بما وضع الحقُّ جل وعلا من سنن، وما شرع من أسباب.
وإن مما شرع الله عز وجل من أسباب السعادةِ وجَبَل النفوسَ عليه الارتباطَ برباط الزوجيةِ، فإنه من أعظم أسباب السعادةِ في هذه الحياة، وحصولِ الطمأنينة والسكينة، وهدوءِ البال وراحة النفس، متى ما تحقق الوئام بين الزوجين، وكُتب التوفيقُ لهما.
ولقد تفردت شريعةُ الإسلام على غيرها من الشرائع والقوانين، بأنها كرمت المرأة، وأحسنت إليها، وأثبتت لها حقها في التملك وحيازةِ المال بعد أن كانت في الجاهلية كسَقَطِ المتاعِ، تباع وتشترى، ولهذا أوجب الإسلام على من يتقدم لخِطبة المرأة أن يدفع لها الصداق، وهو عبارة عن نوع من التقدير والاحترام، وليس ثمناً أو قيمةً لها (وَءاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً).
ولقد ظهر في المجتمع اليوم التغالي في المهور والتباهي في نفقات الزواج، كلُّ هذا حدا بالشباب إلى العزوف عن الزواج والإعراضِ عنه، وما ظهر الفسادُ وانتشر الشر إلا يومَ أن رأى الشبابُ أن مفتاحَ الزواجِ مسئوليةٌ تُرهق كواهلَهم، وأعباءٌ ثقيلةٌ لا طاقة لهم بها، فأحجموا عنه وتولوا عنه، وهم معرضون.
أخرج أبو داود بسنده عن أبي الجعفاء السلمي قال: خطبنا عمر بن عبد العزيز فقال: (ألا لَا تُغَالُوا بِصَدَاقِ النِّسَاءِ فَلَوْ كَانَ مَكْرُمَةً أَوْ تَقْوًى كَانَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلاكُمْ بِذَلِكَ مَا أَصْدَقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلا أَمْهَرَ بَنَاتِهِ إِلا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أوقِيَّةً وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُغَالِي صَدَاقَ الْمَرْأَةِ حَتَّى يُورِثَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةً). وقال صلى الله عليه وسلم: (أعظم النساءِ بركةً أيسرهن مؤونةً). رواه الإمام أحمد وغيره.
إن المسئوليةَ الملقاةَ على عواتق أهل الرأي والعلم والإصلاح في هذا المجتمع، تحتم عليهم القيام بواجب النصح والإرشاد وبيانِ الحق والتحذيرِ من الآثار السيئةِ للمغالاة في المهور في تكاليف الأعراس التي أصابت مجتمعنا، لابد أن يوجد للعامة من الناس القدوةُ والأسوةُ من أهل الفضل والعقل في تخفيف المهور، وتيسير أمر الزواج، والبعدِ عن التكاليف التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما هي إسرافٌ وتبذيرٌ وتضييق لطلب الحلال، وتيسيرٌ في سلوك طريق الحرام، {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}، {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}.
ولتتضافر الجهود في الحث على تسهيل أمور النكاح، وتيسير أسبابه ووسائله، ونشر الوعي العام بذلك في المجتمع، تحقيقًا للمصالح، ودرءًا للأضرار والأخطار والمفاسد.
أحرِصوا على أمر أبنائكم وبناتكم، وهيئوا لهم السبل الموصلة إلى سعادتهم في إقامة عُشِّ الزوجية سكناً ورحمة ومودة، واسلُكوا من الوسائل ما يؤدي إلى إعفاف الشباب وإحصانهم من مغريات الفتن التي نعيشها في هذا الزمان، وأعينوهم بما عندكم حتى تستقيم لهم الحياةُ، وتسعدوا بهم في الدنيا والآخرة.
إسحاق بن موسى بن الشيخ سيدي



