منصة “عين” تعيد الأمل لسائقي الشاحنات في شركة توزيع الأسماك

في هذا الزمن الذي تتكاثر فيه الهموم وتتوالى فيه صرخات المظلومين، يشع من عمق المعاناة شعاع حق لا يطفأ.. حكاية هذه الأيام في موريتانيا ليست عن النفط ولا الذهب، بل عن الشاحنات… نعم، عن سائقين بسطاء، صابرين، منسيين، جعلوا من محركاتهم منابر للوفاء، ومن عرق جباههم خيوط شمس تشرق على الموائد الفقيرة، وهم يوزعون سمك الوطن إلى أقاصي ربوعه.

إنها حكاية سائقي الشاحنات الكبيرة في الشركة الموريتانية لتوزيع الأسماك، الذين لم يعرفوا لليأس بابا، رغم أن الأبواب قد أُوصدت في وجوههم طويلا. هؤلاء لم يطلبوا جاها ولا مالا، بل طرقوا أبواب “عين”، منصة الشعب، بقلوب أنهكها الإقصاء وأحرقها التهميش، مدفوعين بإيمان عميق أن موريتانيا ليست وطنا يخذل أبناءه، بل حضن يستفيق على أنينهم.

كان الرد الأول صادما.. صادما حد الألم، حين قيل لهم إن عقودهم “موجودة”، لكنهم ما رأوها، ولا خطت أيديهم يوما توقيعا عليها! كانوا، ببساطة، ضحايا لعقود شبحية، لا تضمن حقا، ولا تصون كرامة، ولا تمنح تأمينا، ولا تقاعدا.. فكيف تكون شكواهم “غير مؤسسة”؟!

لكن الحقيقة، كما الشمس، لا يحجبها الغبار.. فعادوا يكتبون، ويردون، ويكشفون، ويصفون بصدق تلك العقود الوهمية، التي لا يعرفونها إلا اسما. وحينها، اهتز شيء في قلب الدولة.. شيء جميل، ووطني، ومسؤول. فقد تحركت جهة عليا، ترفع لها القبعات وتؤدى لها التحايا، وقررت أن تنزل بنفسها إلى الميدان، تنصت، تدقق، وتفتح تحقيقا لا مجاملة فيه ولا تسويف.

لم يكن ذلك التحقيق عاديا، بل كان زلزالا إداريا كشف مستورا، وزرع الأمل من جديد. رجل وطني – سنتحدث عنه لاحقا بالتفصيل – تولى القضية بعزم الفرسان، وتواصل مباشرة مع السائقين، رافضا الظلم، متحديا الروايات المغلوطة، رابطا اتصالاته بوزارة الصيد وبإدارة شركة توزيع الأسماك، صارما في إحقاق الحق، لا يساوم ولا يلين.

وعندها… بدأت الكرامة تعود على عجل.

تحركت إدارة الشركة، وقسم الشؤون البشرية تحديدا، فبدأت تستدعي السائقين واحدا تلو الآخر، تطلب بطاقاتهم الوطنية، لتصوغ معهم أخيرا عقودا حقيقية، نهائية، تكتب بالحق لا بالحيلة، وتوقع في وضح النهار لا في كواليس الغموض.

تحولت الإدارة إلى خلية نحل، تسرع الخطى لتصحيح ما فات، وتسوية الوضعيات، وربما تضم لاحقا عمالا آخرين إلى قافلة المنصفين، بعد طول انتظار.

اليوم، يعيش هؤلاء السائقون حالة نادرة من الفرح الوطني النظيف، ذاك الفرح الذي يولد من رحم النضال، ويتغذى من عدل الدولة، ويتوج بتوقيع بسيط.. لكنه يعني الكرامة، والحق، والانتماء.

لقد فهم السائقون، وعائلاتهم، وكل من تابع قصتهم، أن موريتانيا بخير، وأن بين ظهرانينا مسؤولين لا يرضون بالظلم، ولا يتركون الضعفاء وحدهم، وأن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، والوزير الأول المختار ولد أجاي، يشرفان على وطن تصان فيه الحقوق، وتسمع فيه الأصوات المبحوحة، وتكافأ فيه الجهود بالصبر لا بالنسيان.

إننا اليوم على أعتاب مشهد مهيب: وقفات شكر وامتنان، يخطط لها السائقون وأسرهم، أمام القصر، وفي الساحات، لا طلبا لشيء.. بل لتقديم الشكر لأول مرة في حياتهم. شكرا لرئيس انتصر للعدل، ووزير أول يتابع تفاصيل ملفهم، ومسؤول آمن أن الوظيفة أمانة لا وجاهة.

وسنعود لاحقا لنروي تفاصيل ذاك الجندي المجهول في الإدارة، الذي ظل وفيا لعماله، صادقا في نصرتهم، متقدما الصفوف في معركة الشرف.

نعم، سيكون هذا يوما تاريخيا..عنوانه: الإنصاف ينتصر، والكرامة تنتزع.

والأيام حبلى بالمزيد…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى