سر ذنوب الخلوات ومقام المراقبة
مما لا شك فيه، ولا ريب يخالطه أن ذنوب الخلوات أعظم في ميزان الطريق من ذنوب الجلوات، لأن الجلوة يشهدها الخلق، والخلوة يشهدها الحق، وما كان بينك وبين العباد يحتمل الستر بالعذر، وما كان بينك وبين الله فهو صفاء المكاشفة.
والعبد إذا خلا بنفسه فهو في حضرة الحق وحده؛ فإن استحى من نظره سبحانه، وصان سره، رفعه الحق إلى مقام عالٍ لا يقارن بغيره، وجعل خلوته معراج قرب.
وإن تجرأ على معصيته في ستره، أُعرض عنه، وتركه إلى نفسه، فتخطفه الهوى في ظلمته، وتزل به القدم بعد ثبوتها.
أن الخطورة أيها الحبيب، ليست في أن تذنب، ولكن في أن تأنس بالذنب إذا ستر عنك الناس، وتنسى أن الستر من كرمه لا من عجزه، وأن الإمهال من حلمه لا من رضاه.
وقد قال أهل البصائر:
“كلما طال ستر الذنب في الخلوة، زاد وزن الأمانة على العبد؛ فإن استقام على الحياء استحق مقام القرب، وإن غفل عن ستر الله استوجب طرده.”
فإياك أن يخدعك حلم الكريم عن مقام هيبته، ولا تستبدل ستر الرحمة بوقاحة الغفلة.
فمن طال أنسه بالخلوة مع الله في الطاعة، زاد أنسه بالله يوم اللقاء.
ومن طابت له الخلوة بالذنب، خاف مقام العرض بين يديه يوم تبلى السرائر.
واعلم أن ذنوب الخلوات إنما هي دلائل على خفاء مقام المراقبة في قلبك؛ فاجعل كل خلوة محراب قرب، وكل ستر ميدان صدق، وقل في كل لحظة:
“اللهم اجعل سرّي خيراً من علانيتي، وباطني أصفى من ظاهري.”
بقلم: مرزوق بن علي الزهراني




