رجل من طينة الكبار.. أحمدو عداهي خطيره بين العلم والإدارة

بالروح التي تنبض بالوفاء، وبقلم يكتب من معين التجربة الصادقة، أكتب اليوم عن لحظة عابرة في ظاهرها، عميقة في أثرها، جمعتني بأحد أولئك الأفذاذ الذين يسكنون الذاكرة والعقل والوجدان… أكتب عن أستاذي الفاضل، والمربي الجليل، والقدوة النادرة: الدكتور أحمدو عداهي خطيره، ذلك الرجل الذي لا يمكن أن يختصر في منصب، ولا يقاس بعمر، ولا يحتوى في شهادة.
لقد عرفته في رحاب كلية العلوم والآداب الإنسانية، فكان لنا نعم الأستاذ والموجه والمربي، لا يعلمنا من وراء المكاتب، بل يزرع فينا حب المعرفة من القلب إلى القلب، وكأننا جزء من أسرته، أو كأنه نسج من خيوط الوفاء ذاتها… عامان من التكوين والاحتكاك المباشر، وما زالت بصماته لا تمحى، وكلماته لا تنسى، ووقفاته لا تغيب.
وحين انتقلنا إلى مراحل دراسية أخرى، لم يتغير، بل ظل بيننا حضورا دائما بالنصيحة، والموقف، والمتابعة الأبوية… كان، بحق، من عالم آخر؛ عالم المثال والنبل والتواضع الخالص. فإذا كانت “الاستثنائية” صفة نادرة في هذا الزمن، فإن الأستاذ أحمدو يجسدها واقعا حيا، وروحا متواضعة نقية، قل أن نجد لها نظيرا.
المفاجأة الكبرى التي أذهلتني، وكانت من أقدار هذا الصيف، أنني التقيته صدفة على هامش دورة الكيطنة للرماية التقليدية في اكصير الطرشان بمدينة أطار. رأيته كما عهدته: الأدب ذاته، الحلم نفسه، التواضع الذي لا يشي به منصب ولا تغيره بروتوكولات، بل زاد على ذلك أنني اكتشفت أن أستاذي هو الوالي الحالي لولاية لعصابة!
أبهذه البساطة، وهذا الخلق الجم، والبشاشة الصافية، يقف من وكل إليه إدارة ولاية بأكملها؟! كأن الزمن لم يمر، وكأن المناصب لم تأت، وكأن السلطة لم تطرق بابه. هو هو كما كان… أستاذا ناصحا، وإن حمل لقب “الوالي”، يزداد تواضعا كلما علا مقامه، ويزداد بشرا كلما اتسعت مسؤولياته، فمن أي كوكب أنت بحق السماء؟!
إن التواضع حين يولد مع الإنسان، يتحول إلى جبلة لا يتكلفها، وحين يندمج الخلق الرفيع بالمهنية الراسخة، نرى أمثال هذا الرجل النادر.
فاذكروا هذا الاسم جيدا: أحمدو عداهي خطيره ، واذكروا أن لعصابة اليوم قد أُهديت جوهرة نادرة من رجال الدولة، ممن يجسدون الوظيفة تكليفا لا تشريفا، وخدمة لا سيطرة.
هنيئا لأهل لعصابة بهذا الوالي الذي:
لا يرى بينه وبين الناس حواجز من المنصب أو الكبر.
ولا يخاطبهم من برج عاجي، بل من ميدان العمل وموقع القدوة.
هنيئا لهم بمن جمع بين حلم العارف، وحزم الإداري، ونقاء المربي، وسمو الأخلاق.
رجل يعيد المعنى إلى الإدارة، والاحترام إلى المسؤولية، والهيبة إلى الوظيفة.
إن كنت أفتخر يوما أنني درست على يديه، فأفتخر اليوم أكثر أن وطني لا يزال ينجب أمثاله، وأن موريتانيا ما زال فيها منارات يستضاء بها في دروب الخدمة والولاء والنبل.
دمت لنا كما عهدناك، ودامت لعصابة بك مزدانة برجال من معدن الوفاء والخلق والعمل.
يوسف محمدن




