الفساد… لعنة الأوطان ومعول الخراب..
الفاسدون لن يبنوا وطنا، إنهم يبنون ذواتهم ويفسدون أوطانهم.— نيلسون مانديلا-

“الفاسدون لن يبنوا وطنًا، إنهم يبنون ذواتهم ويفسدون أوطانهم.”— نيلسون مانديلا-
الفاسد لا يملك قلبًا وطنِيًّا، بل يحمل خزانًا من الأنانية، يسحب منه أطماعه بلا شبع، وينفث سُمًّا في شرايين المؤسسات، حتى تذبل روح الدولة وتتآكل مثلما يأكل السوس قلب الخشب من الداخل.
حين يُفسد الفاسدون في الإدارات، حين يمدّ أحدهم يده إلى المال العام كأنه ميراث أبٍ لا وطن، حين تُدار الوزارات بالعلاقات لا بالكفاءات، وحين يصبح المنصب فرصة للنهب لا للخدمة، تُصبح الأوطان كجسدٍ مُنهَك تلبّسته الحُمّى، تنهشه أيادي الطمع من الداخل، حتى لو بدا في ظاهره قويًّا صامدًا.
الفساد ليس خطأً إداريًّا، ولا مجرد انحراف في أداء، بل هو جريمة في حق الأمة، قتلٌ بطيء للعدالة، اغتيالٌ متكرر للنزاهة، وهدمٌ صامتٌ لمستقبل الأجيال. الفاسد لا يرى في الوطن سوى مغنم، ولا في المواطن سوى وسيلة أو عائق، وحين يُترك بلا رادع، يصبح الفساد ثقافةً تُدرَّس، لا جريمة تُدان.
ولم يكن مانديلا مُغالِيًا حين قال إن الفاسدين لا يبنون وطنًا، لأنهم لا يؤمنون به، لا يحتضنونه في قلوبهم، بل يحتضنون أرصدتهم، ويسجدون لأهوائهم، ويعبدون الكرسي لا القيم. فكيف يُنتظر من عبدِ المال أن يكون خادمًا للوطن؟
لكن حين يقف على رأس الدولة رجلٌ يؤمن بأن الوطن لا يُبنى إلا بالنزاهة، ولا ينهض إلا بالشفافية، تبدأ رحلة الاسترداد… استرداد العدل، واسترداد الكرامة، واسترداد الحقوق. هذا ما فعله سمو الأمير محمد بن سلمان — قائدٌ شاب، لم يخشَ الموج، بل خاضه بسفينة الحزم، وأدار دفة الوطن نحو شاطئ جديد، اسمه “النزاهة أولًا”.
محمد بن سلمان لم يعلن الحرب على الفساد فقط، بل خاضها بلا تردد، وحين اجتمعت النخبة في فندق الريتز، لم يكن ذلك تجمعًا للترف، بل محاكمة للتاريخ، وإعادة هيكلة للذاكرة الوطنية: أن لا أحد فوق القانون، وأن المال العام ليس مالًا مباحًا، وأن من سرق الوطن سيُسأل، ولو كان من خاصته.
لقد بدأت المملكة، بقيادة هذا الرجل، صفحة جديدة؛ حيث لم يعد المنصب حزام نجاة من المساءلة، ولم تعد الألقاب درعًا يُخبئ به السارق جرائمه. إنه زمن الصراحة، زمن الحساب، زمن الدولة التي لا تسامح من أكل من صحنها ثم بصق فيه.
فالفساد حين يسكن مفاصل الدولة، يشلّ الحركة، ويعطّل التنمية، ويستنزف الثروات، ويفرغ القيم من مضمونها. تصبح المدارس أبنية بلا علم، والمستشفيات غرفًا بلا عناية، والطرقات مشاريع بلا وصول، والوظائف مناصب بلا كفاءة. لكن حين يُجتثّ الفساد، تنبت الأشجار في صحراء الروح، وتورق الأيام رجاءً، ويعود الوطن وطنًا للجميع، لا خزينةً لأحد.
الفساد لا يُحارَب بالكلمات فقط، بل بالقرارات الجريئة، بالإرادة السياسية، بالشفافية التي لا تخشى النور، وبالعدالة التي لا تُجامل. ومحمد بن سلمان يمضي، ومعه إرادة وطنٍ بأكمله، نحو تنظيف البيت السعودي من كل شوائب الفساد.
هي ليست حربًا على أفراد، بل حرب على عقلية، على ثقافة، على إرثٍ قديمٍ يجب دفنه، لتنهض المملكة كما أرادها المؤسس، وكما يراها القائد الشاب: عظيمة، عزيزة، نظيفة.
فالفساد لا يفسد خزينة المال فقط، بل يفسد المعنى… معنى الوطن، ومعنى المسؤولية، ومعنى الانتماء. ومحاربته ليست مهمة الدولة وحدها، بل رسالة كل مواطن شريف، وكل مسؤول أمين، وكل كاتب نزيه، وكل معلم يغرس في طلابه أن الوطن ليس للبيع.
ولذا، فإن المعركة ضد الفساد هي معركة وجود، معركة بقاء، ومعركة استحقاق. وها هي السعودية، في ظل رؤية 2030، تمضي بخطى ثابتة، تحت راية قائدها الشجاع، لتكون دولة المؤسسات لا دولة الفاسدين، دولة الكفاءات لا المحسوبيات، دولة القانون لا الهوى.
وتأسيسًا على ما سبق… فإن كل دولةٍ تجعل من محاربة الفساد عقيدةً لا شعارًا، ومن العدالة نهجًا لا ترفًا، تكتب لنفسها ولأبنائها سِفر الحياة الكريمة، وتعلو في مدارج العِزّة والكرامة والقوة، ويُصبح ترابها مأوىً للآمنين، وسقفها ظلًا للمستحقين، ورايتها نبراسًا للمخلصين.
وعلى الضفة الأخرى من المعنى… نجد أن كل دولةٍ تُغضّ الطرف عن الفساد، وتهادنه، وتغتسل من عارِه بالسكوت، إنما تحفر قبرها بأصابعها، وتُطفئ شموعها بريح يدها، وتخون أولئك الذين اتكأوا على أحلامهم فيها. إنها لا تقتل الوطن فقط، بل تُميت المعنى فيه، وتتركه جثةً تآكلها الطحالب في صمتٍ ثقيلٍ، لا يسمعه إلا الشرفاءُ الذين ظلّوا يُنادون في العراء.
وبين العدل والفساد… يُختَبر الوجود، وتُكشَف نوايا البُناة من مدّعي البناء.
بقلم: مرزوق بن علي الزهراني




