علي ولد بكار.. بين صوت الضمير وصرامة السلطة

في الأيام الأخيرة، شهد الرأي العام الموريتاني جدلا واسعا حول اعتقال الناشط البيئي والمدون المعروف علي ولد بكار، على خلفية نشره معلومات تتعلق بباخرة أجنبية – يقال إنها تركية – دخلت منطقة صيد محظورة، مرفقا بخريطة مواقع (GPS) قال إنها تثبت المخالفة. غير أن السلطات رأت في ذلك “تلاعبا بالمعلومات” و”إساءة لصورة الدولة” و”إضرارا بالمصالح الوطنية”، فسارعت إلى إحالته للقضاء وزجه في السجن، حيث تم حلق رأسه وإلباسه زي السجناء، واحتجازه مع أصحاب السوابق، كما ظهر على الرجل خلال مثوله أمام القضاء مؤخرا علامات إرهاق نفسي شديد، وإن ظل ثابتا على موقفه رافضا الاعتذار.

إن هذه الواقعة – برغم حساسيتها – كانت قابلة للمعالجة بهدوء قبل أن تصل إلى دهاليز المحاكم. فقد كان بإمكان الجهة المعنية في الدولة أن تخرج إلى الإعلام بمؤتمر صحفي واضح، تقدم فيه روايتها المدعومة بالأدلة، وتدحض ما ترى أنه ادعاءات، بدل اللجوء مباشرة إلى القضاء، الأمر الذي أشعل جدلا أكبر وأثار تساؤلات عن حرية التعبير وحدودها.

وليس خافيا أن علي ولد بكار ليس مجرما ولا خارجا على القانون، بل هو ناشط بيئي معروف، له نشاطه في رصد مخالفات قطاع حساس كقطاع الصيد، وهو قطاع ترتبط به ثروات وطنية وسيادة بحرية. ومع ذلك، فإن النقد – أيا كان مصدره – يجب أن يكون قائما على أدلة قاطعة، وأن يسلك صاحبه المسار القانوني السليم: بلاغ رسمي للسلطات المختصة، ثم إحالة الموضوع لوكيل الجمهورية، فإذا لم يجد التجاوب، يكون من حقه – بل من واجبه – أن يلجأ إلى منابر الإعلام لإيصال صوته للرأي العام، وبذلك يكون قد أدى ما عليه من واجب تجاه الدولة والمجتمع، دون القفز على المراحل أو فتح الباب أمام التأويلات.

كما أن اللجوء إلى القضاء ينبغي أن يكون آخر العلاج، لا أول وسيلة. فكما قيل قديماً: “آخر العلاج الكي”، والكي ليس دواء محمودا إلا عند الضرورة القصوى. وفي المقابل، فإن كرامة الإنسان – التي حفظها القرآن والسنة ونص عليها الدستور – تبقى خطا أحمر لا يجوز انتهاكه تحت أي ظرف.

على الدولة أن تدرك أن الصحفي والمدون ليسا أعداء لها، بل هما عين المجتمع التي تلتقط الخلل وتنبه إليه، كما على الصحفي والمدون أن يفهما أن الدولة ليست خصما، وإنما شريك في البناء والإصلاح. كل طرف يكمل الآخر، والدور المشترك بينهما يصب في مصلحة الوطن، لا في تقويضه.

وأختم بنصيحة من القلب:

الوطن الذي لا يحتمل النقد، يشيخ قبل أوانه، والسلطة التي تضيق بصوت مواطنها، تفتح بابا أوسع للإشاعات والفتن. والحوار هو الجسر الأقوى الذي يمكن أن نعبر عليه جميعا نحو دولة القانون والعدالة والكرامة، حيث لا أحد فوق المحاسبة، ولا أحد تحت الإهانة.

بقلم : محمد سالم المختار الشيخ

الناشط البيئي والمدون المعروف علي ولد بكار 🇲🇷

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى