الاحتفال بالمولد النبوي.. دعوة لشعراء الحسانية للبناء على “كاف” أبو مدين ولد اباته

في ساحة الأدب الموريتاني، حيث تختلط أنفاس الإيمان بصوت القوافي، ويغدو الحرف سبيلا للتعبير عن العقيدة والموقف، يطل علينا الأديب الكبير أبو مدين ولد اباته ببيت من الشعر الحساني، من تلك الأبيات التي لا تقال لتنسى، وإنما لتحفر في الوجدان، فيقول:
حد أعْلِينَ شَافُ احْتِفَالُ .. ابعِيدُ أَخْلَاكَتْ نَبِينَ
لاهِ يَفْنَ عُمْرُ مَزَال .. هُوَ شَايَفَ ذَاكَ أَعْلِينَ
إنه بيت يتجاوز حدود الفن الشعري إلى أن يكون وثيقة موقف، وصرخة حق في زمن التباس، ورسالة جهر في وجه كل محاولات التضييق على محبة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
لقد أراد ولد اباته أن يضع النقاط على الحروف، وأن يعلنها بوضوح: إن من أخذ عليه الاحتفال بمولد خير البرية، فقد أخذ عليه عهدا لا ينفك ما دام في العمر نفس، لأنه لن يتراجع عن محبته وفرحه بميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يراه حقا شرعيا ووجدانيا، وإحياء لذكرى أعظم حدث عرفه الوجود، خلافا لما يدعيه بعض من ضاقوا ذرعا بفرح المؤمنين وبهجتهم.
إن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ليس مجرد طقس اجتماعي عابر، بل هو تعبير عن الانتماء، وتجديد للعهد، وربط للأمة بجذورها النبوية. هو مساحة يلتقي فيها الناس على ذكر السيرة العطرة، وعلى استحضار معاني الرحمة والعدل والنور التي جاء بها الحبيب المصطفى. وكيف يذم الفرح بقدوم من قال الله تعالى فيه: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين؟!
بيت أبي مدين ولد اباته، في بساطته وعمقه، يمثل رفضا صريحا لحالة الإنكار التي حاول بعضهم فرضها على الناس باسم التشدد. إنه يقول: دعوني أحب رسول الله على طريقتي، دعوني أفرح بمولده، دعوني أحيي ذكره بما أستطيع، فهذا ديني، وهذا يقيني، وهذا عهدي الذي لا ينقطع.
وليس غريبا أن يرفع شاعر من طراز ولد اباته راية هذا الموقف، وهو يدرك أن الأدب في هذه الأرض لم يكن يوما مجرد زخرف لفظي، بل كان ولا يزال منبرا للدفاع عن القيم، وتثبيت العقائد، وإيقاظ القلوب. ومن هنا جاءت دعوته غير المعلنة، بل الصريحة بين السطور، لكل الأدباء والكتاب والغيورين على إرث هذه الأمة أن يبنوا على أساس هذا البيت الحساني، وأن يجعلوا من الكلمة قلعة تحمي محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم من محاولات الطمس والإنكار.
فالاحتفال بالمولد ليس بدعة ضلالة، كما يروج بعض المتشددين، وإنما هو تعبير صادق عن شكر الله على نعمته الكبرى، وكيف لا يكون كذلك ورسول الله هو النعمة العظمى التي أشرقت بها الدنيا؟ إن مولده صلى الله عليه وسلم كان بداية تحول كوني، وميلاد أمة، وبداية طريق الهداية. فمن لم يفرح به، فبماذا يفرح إذن؟ وبأي حدث في التاريخ يعلي صوته وينشد إذا لم يكن بميلاد سيد الأولين والآخرين؟
أما الخاتمة، فإنها يجب أن تكون بمقدار مقام من نكتب عنه، وبمقدار صدق الشاعر الذي نستلهم من كلماته. نقول إذن: إن بيت أبي مدين ولد اباته من الشعر الحساني الأصيل ليس مجرد جملة موزونة، ولا خاطر عابر خطه قلمه، بل هو وصية أدبية وعقد إيماني، كتبه بمداد الصدق ليبقى شاهدا على ثبات الموقف، وصدق المحبة، وعمق الانتماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم. هو بيت أراده صاحبه أن يكون حجرا في بناء عظيم، يدعو الأدباء والكتاب والعلماء وكل المحبين أن يشيدوا فوقه صروحا من المدائح والقصائد والمواقف، لتظل هذه الأمة وفية لمن أخرجها من الظلمات إلى النور.
سيبقى بيت أبي مدين ولد اباته خالدا، لأنه نبع من حب لا يشيخ، ومن يقين لا يضعف، ومن محبة لنبي الرحمة التي لا تقبل المساومة ولا تعرف التراجع. إنه صوت يقول لكل الأزمان: من أحب محمدا صلى الله عليه وسلم فلن يخجل من الفرح بمولده، ولن يخاف من الجهر بحقه، ولن يساوم في التعبير عن محبته.
وهكذا يلتقي الشعر الحساني بالإيمان، والكلمة بالعقيدة، ليصنعا معا موقفا لا يزول، ويبقى هذا البيت صدى يتردد في الوجدان: أن محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم لا يسقطها خلاف، ولا يطفئها جدل، لأنها نور الله الذي لا ينطفئ.




