حين تصافح من كان عليك أن تصفعه

تبدأ الكارثة، لا المشكلة، في اللحظة التي تمدّ فيها يدك لمن كان يجب أن تدير له ظهرك… أو توجه إليه صفعة تليق بخيانته.

ليست مجرد مصافحة، بل خيانة ناعمة ترتكبها ضد نفسك، لحظة هشّة تُلبس فيها وجهك قناع التحضّر، بينما يصرخ داخلك بالرفض. إنها الثواني الثقيلة التي تخون فيها إحساسك الصافي باسم اللباقة، وتُجامل فيها من تعلم – ويعلم قلبك – أنه لا يستحق سوى التجاهل أو النسيان، أو حتى المواجهة.

في تلك اللحظة، لا تكون كما يجب أن تكون، بل كما يُفترض أن تبدو: متماسكًا، مهذبًا، متصالحًا مع كل شيء. لكن، أيُّ سلامٍ هذا الذي يُبنى على أنقاض الحقيقة؟ وأيُّ تصالحٍ يولد من رحم التزييف؟

تبدأ الكارثة حين تُهادن من كسر ظهرك، حين تبتسم لمن لوّث نقاءك، حين تصافح يدًا كان يجب أن تُبعدها للأبد.

في أعماق كل إنسان، بوصلة لا تخطئ الاتجاه، لكنها تضعف تحت ضغط التوقعات، وقد تنكسر تحت سطوة العبارات المعلّبة: “كن راقيًا”، “تجاوز”، “سامح”، “ارتقِ”. لكن لا أحد يخبرك أن الارتقاء، أحيانًا، يكون في الرفض، وأن الكرامة في القطيعة، وأن النُبل في الحسم.

أن تقول: “كفى” دون تردد، ودون حاجة لتبرير.

نحن لا نولد منافقين. الطفل لا يبتسم لمن يؤذيه، ولا يتودد لمن يخيفه. لكننا، مع الوقت، نتعلّم كيف نُزيّف مشاعرنا، كيف نُربّت على كتف من طعننا، كيف نُطري على السمّ إذا قُدِّم لنا في كأس أنيق. فهل هذا هو النضج؟ أم هو خيانة ذاتية ممنهجة نتقنها تحت اسم “التحضّر”؟

الفلسفة تقول إن الإنسان الحقيقي هو من يعيش في انسجام مع قِيمه، لا مع ما يُمليه عليه المجتمع. والأدب يعلمنا أن السقوط لا يحدث بفقد المعارك، بل حين نفقد جوهرنا في سبيل القبول أو السلام الزائف. أما في الحياة، فإن الجراح الأخطر ليست تلك التي يفتك بها العدو، بل تلك التي نفتحها نحن، حين نُصافح من كان يجب أن نُقصيه.

نحن لا ندعو إلى العنف، ولا نحرّض على الانتقام، بل نؤمن بصدق المواجهة، وكرامة الانسحاب. أن تكون حقيقيًا مع نفسك، ولو على حساب المجاملة. أن تملك شجاعة الصمت، وجرأة الحسم، وأن تختار المسافة عن القرب المشوّه.

فالمصافحة، في تلك اللحظات، ليست سلامًا، بل إهانة مغلّفة. وإن لم تكن قادرًا على أن تصفع، فلا تُصافح.

الصمت أحيانًا أعلى صوتًا من ألف كلمة. واليد التي تُبقيها إلى جانبك حين يكون التمديد خنوعًا، أكرم من يدٍ تمتد لتُجامل من لا يستحق.

ليس كل انسحاب هزيمة. أحيانًا، يكون قمة الانتصار أن تقول: لا… بلا كلمة، وبلا تبرير.

فليكن سلامك انتقاءً، وصفعتك وعيًا، وصمتك ناطقًا بعدالة الروح. لا تُصافح على حساب نفسك، ولا تُهادن من شوّهك.

فما من خيانة أشد على النفس من أن تمتد يدك لمن طعنك بها سابقًا، وما من سقوط يبدأ إلا من هناك.

وتذكّر دائمًا أن الكارثة لا تبدأ بالخيانة، بل تبدأ حين تصافح من كان عليك ان تصفعه.

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني

 

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى