انحطاط غير مسبوق.. واشنطن تغلق أبواب الأمم المتحدة في وجه فلسطين

في سابقة خطيرة ومخالفة صريحة للقوانين الدولية، أقدمت الولايات المتحدة على منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، رفقة وفد يضم أكثر من ثمانين شخصية سياسية ودبلوماسية، من الحصول على تأشيرات دخول إلى أراضيها للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذه الخطوة ليست مجرد إجراء إداري عابر، بل تعكس مستوى غير مسبوق من الانحطاط السياسي الذي وصلت إليه واشنطن في سبيل حماية الكيان الصهيوني وتلميع جرائمه أمام المجتمع الدولي.
لقد بات واضحا أن الولايات المتحدة لم تعد تكترث لا للقيم التي طالما ادعت الدفاع عنها، ولا لالتزاماتها كدولة مضيفة لمقر الأمم المتحدة، ولا حتى لسمعتها كقوة كبرى. كل شيء أصبح مسخرا لخدمة إسرائيل، حتى وإن كان الثمن هو نسف النظام الدولي برمته. فواشنطن عطلت مجلس الأمن الدولي مرارا عبر استخدام حق النقض لحماية الاحتلال، وشلت عمل محكمة العدل الدولية في ملفات حساسة تتعلق بجرائم الحرب، وأفرغت العديد من الهيئات الأممية من مضمونها لمجرد أنها تجرؤ على فضح الوجه الدموي للصهيونية. واليوم نراها تذهب أبعد من ذلك، بمنع رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة من ممارسة أبسط حقه في المشاركة في اجتماعات المنظمة التي تمثل جميع دول العالم.
هذا السلوك الأميركي يمثل خرقا واضحا لاتفاقية مقر الأمم المتحدة الموقعة عام 1947 بين المنظمة الدولية والولايات المتحدة، والتي تنص صراحة على التزام الدولة المضيفة بتمكين جميع ممثلي الدول الأعضاء من دخول أراضيها لأداء مهامهم الدبلوماسية دون عراقيل. كما أن هذا القرار يتعارض مع روح ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة ذاته، الذي يضمن المساواة بين الدول ويؤكد حقها في التعبير عن مواقفها على منبر المنظمة الدولية. إن ما فعلته واشنطن اليوم هو اغتيال سياسي لقواعد القانون الدولي، وتحويل لمقر الأمم المتحدة إلى أداة ابتزاز بيد دولة لم تعد تؤمن سوى بمنطق القوة والهيمنة.
إن هذه الواقعة تفتح الباب مجددا أمام النقاش الجاد حول ضرورة إنهاء احتكار الولايات المتحدة لمقر الأمم المتحدة على أراضيها. فمن غير المقبول أن تظل المنظمة الدولية رهينة بيد دولة واحدة تستعمل موقع الاستضافة كسلاح سياسي لتكميم الأفواه وحماية مجرمي الحرب. إن الحل العادل والمنطقي يكمن في نقل مقر الأمم المتحدة إلى دولة محايدة تحترم القانون الدولي وتتيح لجميع الأعضاء ممارسة حقوقهم كاملة دون قيود أو إملاءات.
ما حدث مع الرئيس الفلسطيني ووفده ليس مجرد قضية دبلوماسية عابرة، بل مؤشر خطير على انهيار المنظومة الأممية تحت ضغط الابتزاز الأميركي والصهيوني. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي لإصلاح هذا الخلل الجسيم، فإن الأمم المتحدة ستفقد ما تبقى من مصداقيتها، وسيتأكد للعالم أن العدالة والقانون لم يعودا سوى شعارات جوفاء في زمن تسيطر فيه القوة على حساب الحق.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ




