إصلاح المالية العامة في موريتانيا: ضرورة إشراك هيئات الرقابة في إعداد ومواكبة المشاريع و البرامج التنموية
على مدى السنوات الماضية، انخرطت موريتانيا في إصلاح طموح لنظامها الخاص بإدارة المالية العامة، بهدف تحسين الحوكمة، وتعزيز الشفافية، وزيادة كفاءة الإنفاق العام. وتستند هذه الإصلاحات إلى محاور أساسية تشمل الميزانية والمحاسبة، حيث تهدف إلى تحديث أدوات الإدارة وتشجيع ثقافة قائمة على تحقيق النتائج. ومع ذلك، فإن ضمان نجاح هذه الإصلاحات يتطلب إشراكًا فعّالًا لهياكل الرقابة، سواء في المتابعة أو في دعم المشاريع والبرامج التنموية.
الوضع الحالي للإصلاحات الميزانية والمحاسبية
1. الإصلاح الميزاني: الانتقال نحو إدارة قائمة على النتائج
شكّل تطبيق القانون العضوي لقوانين المالية (LOLF) نقطة تحول حاسمة في إدارة الميزانية في موريتانيا. وقد أدخل هذا الإصلاح مفهوم الإدارة القائمة على النتائج، الذي جرى تطبيقه في قطاعات استراتيجية مثل التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية.
من خلال اعتماد نهج يستند إلى الأداء، تهدف الدولة إلى تحسين تأثير السياسات العامة وتعزيز تخصيص الموارد بكفاءة أكبر. وبحلول عام 2026، من المتوقع أن تعتمد ميزانية الدولة بالكامل على إدارة مبرمجة، مما يرسخ ثقافة الأداء داخل الإدارات العمومية.
2. الإصلاح المحاسبي: التحديث والشفافية
أ) جرد وإدارة ممتلكات الدولة
يُعد جرد ممتلكات الدولة، والذي تم دمجه في نظام المعلومات “ممتلكاتي”، خطوة مهمة نحو محاسبة حديثة للأصول.
ب) الانتقال إلى المحاسبة على أساس الاستحقاق
يمثل الانتقال من المحاسبة النقدية إلى المحاسبة على أساس الاستحقاق، بدعم من نظام “أرقام”، تقدمًا بارزًا، حيث يتيح رؤية أوضح للالتزامات المالية للدولة ويحسن تتبع العمليات المالية.
ج) إعداد ميزانية افتتاحية في عام 2025
تستعد موريتانيا لإعداد ميزانية افتتاحية للحسابات المحاسبية للأصول، مع وضع حدود محددة لإدراج الممتلكات في البيانات المالية، مما يعكس التزامًا بتعزيز الشفافية والمصداقية في الحسابات العامة.
د) تعزيز حوكمة المؤسسات العامة
تم اعتماد إطار قانوني جديد في عام 2024 لتحسين أداء المؤسسات العامة والشركات الحكومية، بما يعزز مساهمتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ضرورة إشراك هيئات الرقابة
رغم أن هذه الإصلاحات تعكس طموحًا حقيقيًا للتحديث، فإن تنفيذها قد يواجه تحديات كبيرة في غياب مشاركة فعالة من هيئات التدقيق والرقابة.
1. التأكد من النتائج بصفة مستقلة
إن التحقق المستقل من مدى مطابقة ميزانيات الوزارات مع اهداف المشاريع و البرامج التنموية من قبل هيئات الرقابة يضمن موضوعية وموثوقية التقييمات، مما يعزز الثقة في نظام الإدارة العامة.
2. تدقيق الأنظمة الرقمية
مع التوجه المتزايد نحو رقمنة المالية العامة، يجب إعطاء الأولوية لتدقيق أنظمة المعلومات وضمان أمان البيانات. في حال عدم توفر هذه الشروط قد تفقد الإصلاحات فعاليتها وتتعرض نزاهة العمليات المالية للخطر.
3. متابعة المشاريع والبرامج التنموية
يسهم إشراك هيئات الرقابة منذ مرحلة انشاء المشاريع التنموية في تقليل مخاطر الفساد وتحقيق أقصى استفادة من الاستثمارات العامة.
الخاتمة
يشكل إصلاح المالية العامة في موريتانيا فرصة تاريخية لتحسين إدارة موارد الدولة. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يعتمد على المشاركة الفاعلة لهيئات الرقابة. من خلال التحقق من الأداء، وتأمين الأنظمة الرقمية، ودعم المشاريع التنموية، يمكن لهذه الهيئات أن تلعب دورًا حيويًا في استدامة التقدم المحقق.
إن مثل هذا النهج لا يضمن فقط الشفافية والمساءلة في العمليات العامة، بل يعزز أيضًا ثقة المواطنين والشركاء الدوليين في نظام الحوكمة المالية للبلاد.
التقي شيخنا




