إدريس جماع… شاعر الجمال والحلم الذي أبقى للكلمة وهجها

يُعدّ الشاعر السوداني إدريس محمد جماع أحد أبرز الشعراء في السودان خلال القرن العشرين، وذلك على الرغم من قلة إنتاجه الشعري. وقد كان يكتب من القلب، حتى بلغ بشعره عمق الوجدان، وترك أثرًا خالدًا تجاوز عدد القصائد إلى صدق التجربة وجمال اللغة.
نشأ في بيئة دينية وثقافية أسهمت في صقل موهبته، فحفظ القرآن الكريم مبكرًا، وانعكس ذلك على لغته الشعرية المتينة. تلقّى تعليمه في السودان، ثم تخرّج في دار العلوم بمصر، وعاد ليعمل في مجال التعليم.
اتسم شعر إدريس جماع بالنزعة الرومانسية، وانشغاله العميق بالحب والجمال والإنسان، كما عبّر عن أوجاعه النفسية والإنسانية بصدق موجع. وقد لخّص شقاءه في قوله:
أنا حظي كدقيقٍ فوق شوكٍ ناثروه
ثم قالوا لحفاةٍ في يوم ريحٍ اجمعوه
صعّبوا الأمر عليه ثم قالوا اتركوه
إن من أشقاه ربّي كيف أنتم تُسعدوه
وكان جماع، رغم ألمه، أسير الجمال، لا يملك أمامه سوى القلب والكلمة. ومن أشهر المواقف الدالة على ذلك حادثة المطار أثناء سفره إلى لندن للعلاج؛ إذ وقعت عيناه على عروس في أبهى زينتها، وقد زادتها نقوش الحناء فتنة، فأطال النظر إليها. فثار العريس غيرةً وقال له بحدة: ارفع عينيك، لا أنزعهما لك!
فأجابه إدريس جماع، في هدوء الشاعر العاشق، منشِدًا:
أعلى الجمالِ تغارُ منا؟
ماذا عليكَ إذا نظرنا
هي نظرةٌ تُنسي الوقار
وتُسعد القلبَ المُعنّى
دنيايَ أنتِ وفرحتي
ومُنى الفؤادِ إذا تمنى
أنتِ السماءُ بدت لنا
واستعصمتْ في البعدِ عنا
وما هي إلا لحظات حتى أُعلن عن إقلاع الرحلة، فانسلّ جماع في صمت، متجهًا إلى بوابة المغادرة، حاملاً معه وجعه وحلمه معًا.
وحين وصل إلى لندن وأُدخل المستشفى، شاءت الأقدار أن تجمعه بممرضة شقراء ذات عينين آسرتين، فتعلّق نظره بهما حتى ضاقت بالأمر، ونُصحت بارتداء نظارة سوداء، لكنها زادت الأمر اشتعالًا، فما كان منه إلا أن قال:
والسيفُ في الغمدِ لا تُخشى مضاربه
وسيفُ عينيكِ في الحالين بتّارُ
كادت الممرضة أن تترك عملها، لكنها بكت حين تُرجمت لها الأبيات، رأفةً بذلك الشاعر الذي لم يكن يملك من الدنيا سوى قلبٍ موجوع وكلمة صادقة.
وفي سنواته الأخيرة، اشتدت معاناته الصحية والنفسية، ثم رحل، تاركًا إرثًا أدبيًا قليل الكم، عظيم الأثر.
ويبقى إدريس جماع مثالًا للشاعر الذي آمن بالجمال، وجعل من الشعر ملاذًا للحلم والإنسان، فاستحق أن يكون واحدًا من الأسماء المضيئة في تاريخ الشعر السوداني الحديث.

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني



