من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج.. نقلة نوعية في المالية العمومية 2026

عام 2026 سيمثل محطة فارقة في تاريخ إدارة المالية العمومية في موريتانيا. إذ سيشهد البرلمان لأول مرة تصويتا متزامنا على برنامج الميزانية وميزانية المواطن، علامة على انتقال موريتانيا إلى عهد جديد يقوم على الأداء والشفافية والمساءلة في إدارة المال العام، مع ترك بصمة واضحة على مسيرة تحديث المالية العمومية.
1. من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج
يحدث برنامج الميزانية قفزة نوعية في طريقة إدارة المالية العامة، حيث يتحول العمل من منطق استهلاك الموارد إلى منطق تحقيق النتائج. لم يعد كافيا لمديري البرامج مجرد صرف الاعتمادات، بل أصبحوا مسؤولين عن تحقيق أهداف واضحة، دقيقة، وقابلة للقياس والتحقق.
كل برنامج ميزانية يبنى على:
• أهداف استراتيجية واضحة
• مؤشرات أداء كمية ومحددة
• أهداف متعددة السنوات لقياس مدى تحقق النتائج
مثال تطبيقي:
برنامج تطوير البنية التحتية المدرسية (خمس سنوات)
• الهدف: تحسين الوصول إلى التعليم الجيد في المناطق الريفية والمهمشة
• مؤشر الأداء: نسبة الفصول الدراسية المطابقة للمعايير الوطنية في ولايات الداخل
• طريقة الحساب: (عدد الفصول المطابقة / إجمالي الفصول) × 100
• الحالة المرجعية: x%
• الهدف بعد 5 سنوات: y%
هذا المؤشر يتجاوز مجرد حجم الاعتمادات ويقيس التأثير الحقيقي للاستثمار على جودة التعليم.
2. تنظيم جديد لإدارة الميزانية
مع قانون المالية الأولي لعام 2026، سيكون على الوزارات ترشيح موظفي الميزانية التشغيلية للبرنامج (RBOP) ورؤساء الوحدات التشغيلية (RUO).
سيتوزع كل جهاز وزاري إلى برامج ميزانية متكاملة، تتطلب تنسيقا محكما بين الأمناء العامين، مديري البرامج، والوحدات التنفيذية.
هذه الديناميكية الجديدة تضمن الانسجام بين الأهداف الاستراتيجية، برمجة الميزانية، وتنفيذ الاعتمادات، وتدعو الجميع إلى تعبئة شاملة من الإدارات المركزية، الخدمات اللامركزية، هياكل الرقابة، والشركاء التقنيين.
3. اختراق نوعي في المحاسبة: المحاسبة العقارية
بالتوازي مع إصلاح الميزانية، تنطلق موريتانيا في تحديث نظامها المحاسبي العام:
• تعداد وإدارة أصول الدولة: عبر نظام معلومات مومتالاكاتي، لتدقيق أصول الدولة وإدارتها بدقة.
• الانتقال إلى محاسبة الحقوق المسجلة: دعم نظام ARKAM يعزز تتبع الالتزامات المالية ويوفر رؤية أوضح للوضع المالي.
• إعداد الميزانية الافتتاحية: بدءا من 2025، لإصدار بيانات مالية موثوقة تدمج الأصول والخصوم بشكل واضح.
• تعزيز إدارة المؤسسات العامة: إطار تشريعي جديد منذ 2024 لتحسين الشفافية والأداء ومساهمة المؤسسات في التنمية.
4. إصلاح المالية العامة ودور الهيئات الرقابية
نجاح هذا الإصلاح لا يتوقف على القوانين والسياسات فقط، بل يرتبط بقوة بالمشاركة الفعالة للهيئات الرقابية في رصد وتقييم الأداء.
• التحقق المستقل من النتائج: يعزز ثقة الإدارات والجهات الممولة من كفاءة استخدام الموارد.
• مراجعة نظم المعلومات: لضمان دقة البيانات وأمان المنصات الرقمية في العمليات المالية.
• مرافقة المشاريع التنموية: لمنع الاختلاس وضمان تحقق الأهداف الاستثمارية على أرض الواقع.
ختاما
إصلاح المالية العامة في موريتانيا يشكل فرصة تاريخية لبناء دولة مالية شفافة، فعالة، ومسؤولة أمام مواطنيها وشركائها. عام 2026 ليس مجرد سنة مالية جديدة، بل بداية عهد جديد من الأداء الموجه بالنتائج والمساءلة.
لكن النجاح الحقيقي يكمن في التزام الجميع: من مشرفين، إدارات، رقابة، ومواطنين، لتحويل هذا الإصلاح إلى واقع ملموس يعزز الثقة ويؤسس لمالية عمومية متينة ومستدامة.
الدكتور التقي ولد شيخنا محمد تقي الله




