سكين في الشارع العام… كيف صنعت المخدرات جيلا من اللصوص الجريئين؟

شهدت شوارعنا في الآونة الأخيرة ظاهرة مقلقة تتمثل في تزايد جرأة بعض اللصوص إلى حد تنفيذ جرائمهم في وضح النهار وأمام أعين الناس. لم يعد المجرم ينتظر ظلام الليل ليتحرك خفية كما كان يحدث في الماضي، بل أصبح بعضهم يتصرف بوقاحة لافتة وكأنه لا يخشى قانونا ولا مجتمعا. ويرى كثير من المراقبين أن انتشار المخدرات وحبوب الهلوسة يقف خلف جزء كبير من هذه الجرأة، فهي مواد تقتل الخوف في النفوس وتدفع متعاطيها إلى سلوكيات متهورة قد تصل إلى حد تهديد حياة الآخرين والاعتداء على ممتلكاتهم دون أدنى تردد. فحين يفقد الإنسان وعيه وتوازنه تحت تأثير هذه السموم، يصبح مستعدا للمخاطرة بكل شيء، ويتحول الشارع في نظره إلى ساحة مفتوحة للفوضى بدل أن يكون فضاء آمنا للناس وأرزاقهم.

ومع ذلك، فإن الحديث عن هذه الظاهرة لا يعني إطلاقا الطعن في جهود قواتنا الأمنية، فالأجهزة الأمنية تقوم بواجبها بكل جدية وتبذل جهودا كبيرة في حماية المواطنين وملاحقة المجرمين. وهي تعمل في ظروف معقدة وتواجه تحديات متزايدة فرضتها طبيعة المدن واتساعها وتنوع أساليب الجريمة. غير أن تطور الجريمة يفرض دائما تطوير وسائل مواجهتها، لأن الجرأة التي نراها اليوم تستدعي أدوات أكثر حزما ورسائل أوضح تؤكد أن المجتمع لن يقبل بأن يتحول أمنه إلى مجال مفتوح للعبث. فالأمن لا يقوم فقط على المطاردة بعد وقوع الجريمة، بل يقوم كذلك على الردع المسبق الذي يجعل المجرم يفكر ألف مرة قبل أن يمد يده إلى مال غيره أو يهدد حياة الأبرياء.

وقد جسدت حادثة وقعت الليلة الماضية جانبا مؤلما من هذه الظاهرة. كان معنا شاب مكافح يمثل نموذجا للشباب الذي يرفض الاستسلام لواقع البطالة رغم ما يحمله من مؤهلات علمية محترمة. فهو خريج جامعة ويحمل شهادة في المحاسبة وأخرى في المعلوماتية، ومع ذلك لم ينتظر فرصة قد تتأخر، ولم يرض أن يكون عالة على أحد. اختار أن يبدأ من حيث يستطيع، مؤمنا بأن العمل الشريف ــ مهما كان بسيطا ــ أفضل من انتظار المجهول. كان يحمل في داخله روح الاعتماد على النفس وإرادة الكفاح، وهي القيم التي يقوم عليها أي مجتمع يريد أن ينهض بشبابه ويصون كرامتهم.

قبل أشهر جمع ما استطاع من المال واشترى دراجة نارية بمبلغ ثلاثمائة ألف أوقية ليجعل منها وسيلة للعمل في خدمة التوصيل. لم يكن المشروع كبيرا، لكنه كان بالنسبة إليه بداية طريق نحو الاعتماد على النفس. اتفق مع سائق يعمل عليها مقابل مبلغ يومي محدد لصالحه، وما يزيد على ذلك يكون من نصيب السائق. ومع مرور الوقت بدأت الأمور تسير بصورة معقولة، وبدأ الشاب يرى أن جهده لم يذهب سدى وأن مشروعه الصغير قد يفتح له بابا لحياة أفضل. كان يشعر بأن كل يوم عمل يقربه خطوة من الاستقرار، وأن جهده المتواضع قد يتحول مع الزمن إلى مشروع أكبر إذا واصل العمل بالصبر نفسه والإصرار ذاته.

لكن لحظة واحدة كانت كافية لتقلب كل شيء رأسا على عقب. فقد أخبره السائق أنه كان متوقفا قرب السفارة الأمريكية حين توقفت فجأة دراجة نارية أخرى عليها شخصان. ترجل أحدهما ووضع سكينا على رقبة السائق مهددا إياه إن تحرك، بينما استولى الآخر على الدراجة. لم يكن أمام السائق خيار سوى الاستسلام حفاظا على حياته، فاختفى اللصان في ثوان بالدراجة المسروقة. ومنذ تلك اللحظة لم يتم العثور عليها، لا من طرف الشرطة ولا من طرف صاحبها وأصدقائه الذين بحثوا عنها في كل اتجاه. وهكذا ضاع في لحظات جهد شهور من الكفاح، وتحول مشروع بسيط كان يمنح صاحبه الأمل إلى خسارة موجعة تركت في نفسه حسرة كبيرة.

هذه الحادثة ليست مجرد سرقة عابرة، بل تعكس مستوى الجرأة الذي وصل إليه بعض الخارجين عن القانون. فأن ترتكب جريمة كهذه في وضح النهار وباستخدام السلاح الأبيض يدل على شعور خطير لدى بعض المجرمين بأن المخاطرة أصبحت أقل وأن الردع لم يعد كافيا. وهذا الشعور تحديدا هو ما يجب كسره بحزم، لأن الجريمة إذا شعرت بالطمأنينة توسعت، وإذا واجهت الردع تراجعت. والمجتمعات التي نجحت في تقليص الجريمة لم تحقق ذلك بالصدفة، بل عبر سياسات واضحة تجعل المجرم يدرك أن القانون حاضر وأن العقاب قادم لا محالة.

ولهذا فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب قدرا أكبر من الحزم والوضوح حتى تكون العقوبة رادعة والعبرة قائمة لمن يفكر في الاعتداء على الناس وأرزاقهم. وتجارب العالم تقدم أمثلة واضحة في هذا المجال؛ ففي الفلبين اتخذت السلطات إجراءات صارمة ضد شبكات المخدرات والجريمة المنظمة، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في الجرائم المرتبطة بها. وفي السلفادور شنت الدولة حملة واسعة ضد العصابات الإجرامية التي كانت تروع السكان، فاعتقل الآلاف من عناصرها واستعادت الدولة قدرا كبيرا من السيطرة على الشارع.

كما أن دولا كبرى مثل الولايات المتحدة وإسبانيا وإيطاليا والبرازيل وكولومبيا طورت أساليب فعالة لمكافحة الجريمة، من بينها عرض صور المجرمين المطلوبين أو المقبوض عليهم عبر وسائل الإعلام، وإبراز تفاصيل عمليات القبض عليهم في المطارات والموانئ وعلى الحدود. هذه السياسة لا تهدف إلى الإثارة بقدر ما تهدف إلى الردع، لأنها ترسل رسالة واضحة مفادها أن الجريمة لن تبقى في الظل وأن من يعتدي على المجتمع لن يظل مجهولا بعيدا عن أعين الناس.

ولو جرى استلهام بعض هذه النماذج في بلادنا، فقد يكون لذلك أثر رادع كبير. فمجرد تخصيص برنامج تلفزيوني دوري يعرض وجوه اللصوص المقبوض عليهم، ويعرف بخطورة أفعالهم على المجتمع، ويكشف كيف تم القبض عليهم، قد يغير كثيرا من المعادلة. فالمجرم الذي يظن أن جريمته ستمر بصمت سيعيد التفكير ألف مرة إذا علم أن اسمه وصورته قد يعرضان أمام المجتمع كله، وأن فعله لن يبقى سرا بل سيتحول إلى درس يراه الجميع.

إن حماية الأمن ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تشترك فيها الدولة والإعلام والمجتمع. فحين تتضافر الجهود وتكون الرسالة واضحة بأن القانون حاضر وأن المجتمع يقف صفا واحدا ضد الجريمة، فإن الشارع سيستعيد طمأنينته وستتراجع الجرأة التي نشهدها اليوم. فالأمن ليس مجرد غياب للجريمة، بل هو شعور عام بالثقة يجعل المواطن يمارس حياته اليومية دون خوف على نفسه أو ماله.

فالمجتمع الذي يحمي كفاح شبابه ويحفظ عرقهم هو المجتمع الذي يبني مستقبله بثقة. أما حين تضيع أحلام المكافحين بسبب سكين لص أو تهور مدمن، فإن الخسارة لا تكون فردية فحسب، بل تمتد لتصيب روح المجتمع كله. ولهذا فإن الحزم في مواجهة الجريمة ليس قسوة، بل هو عدل يحمي الضعفاء ويصون كرامة الكادحين ويعيد للشارع هيبته وللقانون مكانته.

محمد سالم المختار الشيخ

الدراجة المسروقة 👆

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى