أمريكا تحت إدارة الصوت العالي.. من يقود أقوى جيش في العالم؟

ثمّة تحولات في مراكز القرار تشبه، في لغة الأعمال، انتقال مؤسسة عملاقة من إدارة استراتيجية متزنة إلى قيادة تستبدل التخطيط العميق بالضجيج التسويقي. وهذا ما يختزله صعود بيت هيغسيث من مقدم برامج تلفزيونية إلى وزير دفاع في إدارة دونالد ترامب؛ انتقال لا يمكن قراءته كمسار مهني فحسب، بل كتحول في معايير الاختيار ذاتها داخل واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في العالم. فحين تدار وزارة الدفاع في الولايات المتحدة بعقلية إعلامية، يصبح السؤال ليس عن كفاءة الفرد فقط، بل عن طبيعة المرحلة التي سمحت بهذا التحول.
هذا الصعود السريع لا يعكس كفاءة متراكمة بقدر ما يكشف عن قابلية النظام السياسي لاستيعاب شخصيات صدامية تجيد الحضور أكثر مما تجيد الإدارة. فالرجل القادم من شاشة التلفزيون حمل معه منطق الإثارة، حيث تختزل القضايا المعقدة في شعارات حادة، ويستبدل التحليل الرصين بخطاب تعبوي مباشر. وفي عالم الحروب، حيث كل قرار يساوي حياة أو موت، تصبح هذه النقلة من “التقديم” إلى “القرار” مغامرة عالية الكلفة، لا يمكن تبريرها إلا في سياق سياسي مضطرب يبحث عن الولاء أكثر مما يبحث عن الكفاءة.
منذ اللحظة الأولى، بدا أن هيغسيث لا يتعامل مع موقعه باعتباره مركزا لإدارة التوازنات الدقيقة بين القوة والدبلوماسية، بل منصة لإعادة إنتاج خطابه القديم ولكن بأدوات أكثر خطورة. فبدلا من عقل الدولة الذي يحسب كل خطوة بميزان المصالح، حضر منطق الاستعراض الذي يقدم القوة كغاية في حد ذاتها. وهنا تكمن المعضلة: فالقوة، وفق أبجديات الاستراتيجية، ليست مجرد امتلاك أدوات التفوق، بل القدرة على توظيفها بأقل كلفة وأعلى عائد.
الخطاب المشحون بعداء واضح تجاه الإسلام والمسلمين لا يندرج ضمن حرية التعبير الشخصية حين يصدر عن وزير دفاع، بل يتحول إلى مؤشر على انحراف في بوصلة المؤسسة. لأن مثل هذا الخطاب لا يضر فقط بصورة الدولة، بل يخلق بيئة خصبة للصراع، ويغلق أبوابا كان يمكن أن تفتح للحوار أو الاحتواء. وعندما تتحول القناعات الأيديولوجية إلى سياسات، فإن المؤسسة تفقد حيادها، وتصبح طرفا في صراع حضاري بدل أن تكون ضامنا للاستقرار.
العلاقة بينه وبين ترامب تبدو، إذا استعيرت مصطلحات السوق، تحالفا قائما على توافق في “العلامة التجارية السياسية”: رئيس يفضل الحسم السريع واللغة الحادة، ووزير يجيد تضخيم هذه اللغة وتسويقها. هذا الانسجام لا ينتج بالضرورة سياسات ناجحة، بل غالبا ما يقود إلى تضخيم الأخطاء، لأن غياب الصوت العاقل داخل دائرة القرار يحول النقاش إلى صدى، لا إلى مراجعة نقدية. وهكذا، تتحول المؤسسات من أدوات تصحيح إلى منصات تأكيد.
ومع هذا النمط القيادي، بدأت وزارة الدفاع تنزلق تدريجيا نحو وظيفة مختلفة، حيث تقدم كأداة هجومية أكثر منها جهازا لضبط التوازنات. فبدلا من أن تكون الحرب آخر الخيارات، أصبحت جزءا من الخطاب اليومي، وكأنها خيار طبيعي في إدارة الأزمات. وهذا التحول، في منطق الاستراتيجيات، يعكس خللا بنيويا، لأن الإفراط في استخدام القوة يؤدي دائما إلى تآكل فعاليتها على المدى الطويل.
في المؤتمرات والخطابات، يتكرر التباهي بامتلاك أعظم جيش في العالم. وهذا صحيح من زاوية المؤشرات الصلبة: ميزانيات ضخمة، تفوق تكنولوجي، وانتشار عالمي. لكن هذه الأرقام، مهما بدت مبهرة، لا تختزل حقيقة الحروب. فالتاريخ يعلمنا أن التفوق العسكري لا يضمن النصر إذا غابت الرؤية. في فيتنام، لم تكن المشكلة نقص القوة، بل سوء تقدير الواقع. وفي أفغانستان، تحولت القوة إلى استنزاف طويل. وفي العراق والصومال، واجهت هذه القوة تحديات لم تستطع حسمها رغم تفوقها.
الخلل، إذن، ليس في الأدوات، بل في طريقة استخدامها. فالقوة حين تمارس بفجاجة، تتحول من رافعة نفوذ إلى عامل مقاومة. والشعوب التي تستهدف لا تقيس موازين القوى بالأرقام فقط، بل بالإرادة والقدرة على الصمود. وهذه معادلة كثيرا ما تغيب عن صناع القرار حين يختزلون الحرب في بعدها العسكري، ويتجاهلون أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية.
أما تصوير الحروب كفرص اقتصادية للسيطرة على الموارد، فهو تبسيط مخل لمعادلة معقدة. فالحرب ليست صفقة قصيرة الأجل، بل مشروع عالي المخاطر، حيث تتداخل الكلفة المالية مع الكلفة الأخلاقية والسياسية. وعندما تخاض بلا رؤية واضحة، تتحول إلى استثمار خاسر، حتى وإن بدت بداياته ناجحة. لأن ما يكسب في الميدان قد يُفقد في السياسة، وما يفرض بالقوة قد يرفض بالواقع.
في السياق الراهن، ومع تصاعد التوترات مع إيران، يظهر هذا الخلل بشكل أكثر وضوحا. فالتقديرات التي صورت كحسم سريع، سرعان ما انكشفت عن أزمة ممتدة، تتسع دوائرها يوما بعد يوم. ومع دخول أطراف إقليمية على الخط، لم تعد المسألة مجرد استعراض قوة، بل اختبار حقيقي لقدرة القيادة على إدارة التعقيد. وهنا، يتبين الفارق بين من يخطط للحرب ومن يفهم تبعاتها.
المفارقة أن الحلفاء، الذين كان يفترض أن يكونوا جزءا من منظومة الحماية، وجدوا أنفسهم في موقع تحمل الكلفة دون امتلاك قرار الحرب. وهذا يطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة التحالفات: هل هي شراكات متوازنة، أم علاقات غير متكافئة تحمل طرفا أعباء قرارات لا يملكها؟ وفي المقابل، برزت مؤشرات على أن بعض الدول باتت أكثر ميلا للاعتماد على قدراتها الذاتية، وهو تحول يعكس تراجع الثقة في الضمانات التقليدية.
لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة تظل قوة عظمى بمعايير الاقتصاد والتكنولوجيا والعسكر. لكن هذه القوة، في حد ذاتها، ليست ضمانة للنجاح. فالتاريخ يثبت أن القوة تحتاج إلى عقل يديرها، وإلى رؤية تحدد متى تستخدم وكيف تستخدم. وعندما تغيب هذه العناصر، تتحول القوة إلى عبء، وقد تصبح سببا في التراجع بدل أن تكون أداة للهيمنة.
إن صعود شخصية مثل هيغسيث إلى هذا الموقع يطرح إشكالية تتجاوز الفرد إلى النظام الذي أنتجه. فهل أصبحت معايير القيادة في المؤسسات الكبرى تقوم على القدرة على إثارة الانتباه، أم على القدرة على إدارة الأزمات؟ الفرق بين الاثنين ليس تفصيلا، بل هو الفارق بين الاستقرار والفوضى، بين النفوذ المستدام والمغامرة غير المحسوبة.
هذا النوع من القيادات لا يشكل خطرا على الخصوم فقط، بل على الدولة نفسها. لأن القرارات التي تبنى على الغرور لا تأخذ في الحسبان حدود القوة ولا تعقيدات الواقع. ومع مرور الوقت، تبدأ الأخطاء بالتراكم، وتتحول من حوادث معزولة إلى نمط يصعب كسره. وعندها، لا تكون الأزمة في الخارج فقط، بل في الداخل أيضا.
في الخلاصة، لا تحتاج أمريكا إلى مزيد من استعراض القوة، بل إلى إعادة ضبط بوصلتها الاستراتيجية. فالعالم لا يدار بمنطق الهيمنة وحده، بل بمنطق التوازن، حيث تستخدم القوة بحكمة، لا بانفعال. وأي انحراف عن هذا التوازن، مهما بدا بسيطا في بدايته، قد يقود إلى تداعيات يصعب احتواؤها لاحقا.
محمد سالم المختار الشيخ
نواكشوط/موريتانيا





