الدكتور التقي شيخنا.. إشعاع أكاديمي يقود رهانات التسيير الحديث في موريتانيا

حين تذكر الكفاءات التي منحت للجامعة الموريتانية معناها الحيوي، وأعادت ربط المعرفة بالفعل العمومي، يبرز الدكتور التقي شيخنا كاسم لا يمر مرورا عابرا. فهو من ذلك الطراز العلمي الذي لا يكتفي بتدريس المفاهيم، بل يعيد إنتاجها في سياق وطني دقيق، حيث تتقاطع تحديات الإصلاح مع ضرورات النجاعة. لقد استطاع أن يشق لنفسه مسارا أكاديميا متماسكا، يجمع بين البحث الرصين، والخبرة المهنية، والإسهام الفعلي في تطوير أدوات التسيير العمومي.

في علوم التسيير، حيث تقاس القيمة بمدى القدرة على تحويل الأفكار إلى نتائج، أثبت الدكتور التقي حضوره بكتابات علمية دقيقة، ومقاربات حديثة تحاكي المعايير الدولية، دون أن تنفصل عن خصوصية السياق الموريتاني. ولم يكن حضوره مجرد تراكم أكاديمي، بل كان مساهمة واعية في بناء خطاب إصلاحي جديد، يضع الأداء والشفافية والمساءلة في صميم العمل العمومي.

وفي هذا الإطار، لاقت مداخلته الأخيرة صدى واسعا، حيث كتبت النائبة منى بنت الدي على صفحتها على الفيس بوك :”مداخلة الدكتور التقي شيخنا التي قد تم تلخيصها في شكل مقال علمي، ضمن ورقة عمل أعدتها رابطة المفتشين والمحققين الداخليين لدول غرب إفريقيا وموريتانيا وغينيا، وذلك بصفته عضوا في هذه الرابطة.

ومن المقرر أن يتم تقديم هذه الورقة إلى منظمة الاتحاد الإفريقي من طرف الرابطة، في إطار المساهمة في تعزيز الممارسات المهنية وتبادل الخبرات على المستوى القاري”.

نص مقال الدكتور التقي بعنوان :

تحديث الرقابة العمومية في موريتانيا: متطلب استراتيجي في إطار ميزانية البرامج 2026

مقدمة: إصلاح ميزاني يغير قواعد اللعبة

بحلول عام 2026، تخطو موريتانيا خطوة حاسمة في تحديث إدارتها العمومية من خلال تعميم ميزانية البرامج، بما يكرس بشكل كامل الانتقال نحو التدبير المرتكز على النتائج. وقد أُطلق هذا التحول بموجب القانون العضوي المتعلق بقوانين المالية لسنة 2018، وهو يتجاوز بكثير كونه مجرد إصلاح تقني، إذ يعيد تعريف منطق التسيير والمسؤولية والرقابة على العمل العمومي بشكل عميق.

في هذا السياق الجديد، تظهر آليات الرقابة التقليدية، التي كانت تركز تاريخيا على مشروعية العمليات، حدودها. فلم يعد الهدف يقتصر على التحقق من مطابقة النفقات، بل أصبح يشمل تقييم فعاليتها وكفاءتها وأثرها. ومن ثم، فإن تعزيز التدقيق الداخلي والرقابة الداخلية أصبح شرطا أساسيا لنجاح تنفيذ ميزانية البرامج في أفق 2026.

أولا: تحول عميق في إطار التسيير العمومي

يرتكز إصلاح المالية العمومية في موريتانيا على أساس قانوني ومؤسساتي متين، تقوده خصوصا أحكام القانون العضوي لسنة 2018 ونصوصه التطبيقية. وقد جاء هذا الإصلاح بجملة من الابتكارات الأساسية:

إعداد الميزانية حسب البرامج،

مشاريع الأداء السنوية،

تقارير الأداء السنوية،

تعزيز مسؤولية المسيرين العموميين،

وإلزامية تقديم الحسابات.

ويكرس هذا النظام منطقا موجها نحو النتائج، حيث يجب تبرير كل نفقة ليس فقط من حيث مشروعيتها، بل أيضا من حيث مساهمتها في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة.

ثانيا: محدودية منظومة الرقابة الحالية

رغم تعدد هيئات الرقابة إلا أن هذه المنظومة تعاني من عدة نواقص، من أبرزها:

هيمنة رقابة المطابقة،

ضعف هيكلة التدقيق الداخلي داخل الوزارات،

غياب إطار مرجعي موحّد للرقابة الداخلية،

محدودية استغلال أدوات الأداء (مشاريع وتقارير الأداء)،

ضعف التنسيق بين مختلف الفاعلين،

وبروز ثقافة الأداء بشكل لا يزال في بداياته.

وفي سياق ميزانية البرامج، تشكل هذه الاختلالات عائقا أمام فاعلية الإصلاح.

ثالثا: ميزانية البرامج 2026 – منعطف يتطلب رقابة أكثر صرامة

يفرض تطبيق ميزانية البرامج سنة 2026 ترابطا دقيقا بين الاستراتيجية والبرمجة والتنفيذ والتقييم. وتعتمد هذه السلسلة على تحديد واضح للمسؤوليات وعلى تنظيم محكم لسلسلة النفقة العمومية.

وفي هذا الإطار، تصبح الرقابة الداخلية أداة محورية لضمان سلامة التسيير، إذ يتعين عليها أن تضمن:

مصداقية الالتزامات،

تحقق الخدمة المنجزة،

انتظام المدفوعات،

والأهم: أداء النفقات.

أما التدقيق الداخلي، فيمثل أداة استراتيجية لتقييم جودة التسيير ودعم اتخاذ القرار.

رابعا: تدقيق الأداء – ركيزة النموذج الجديد

إن الانتقال إلى التسيير المرتكز على النتائج يستدعي تطورا جوهريا في ممارسات التدقيق نحو تدقيق الأداء، الذي يقوم على محورين رئيسيين:

تدقيق مشاريع الأداء (داخليا)

تقييم ملاءمة الأهداف،

تحليل انسجام الوسائل مع النتائج،

التحقق من موثوقية المؤشرات.

تدقيق تقارير الأداء (خارجيا)

تقييم النتائج المحققة،

تحليل الفوارق،

قياس كفاءة الإنفاق العمومي.

وبذلك يسهم تدقيق الأداء في تعزيز الشفافية وتحسين الحوكمة العمومية وترشيد تخصيص الموارد.

خامسا: إعادة هيكلة الرقابة وإرساء التدقيق الداخلي

لمواكبة الانتقال إلى ميزانية البرامج، تبرز الحاجة إلى إصلاح شامل لمنظومة الرقابة يرتكز على المحاور التالية:

إرساء التدقيق الداخلي

إنشاء وحدات تدقيق داخلي في كل وزارة،

تحديد وضعية قانونية للمدققين،

ضمان استقلاليتهم الوظيفية.

إرساء إطار موحد

إنشاء لجنة وطنية للتنسيق،

إعداد مراجع مشتركة،

توحيد ممارسات التدقيق والرقابة.

تعزيز الرقابة الداخلية

توثيق الإجراءات،

إعداد خرائط المخاطر،

إدماج خطط إدارة المخاطر في البرمجة السنوية.

تفعيل نموذج تشغيلي للتدقيق

التشخيص التنظيمي،

التخطيط القائم على المخاطر،

إعداد تقارير منتظمة ومتابعة التوصيات.

تقييم الأداء بشكل منهجي

تعزيز استغلال أدوات الأداء،

تحسين المؤشرات،

إرساء مراجعات دورية للأداء.

تعزيز المسؤولية

توضيح الأدوار على جميع المستويات،

تقوية حوار التسيير،

مواءمة العمل مع أدلة الإجراءات.

إصلاح هيئات الرقابة

توجيه مهام المفتشيات نحو تقييم الأداء،

تعزيز التنسيق بين مختلف المفتشيات ..

سادسا: شروط نجاح الإصلاح

يتطلب نجاح هذا التحول توفر عدة عوامل أساسية:

التزام سياسي قوي ومستدام،

انخراط فعلي للوزارات،

تعزيز الكفاءات البشرية،

تحديث نظم المعلومات (خصوصًا نظام “رشاد”),

وتقوية التنسيق بين مختلف أجهزة الرقابة.

خاتمة: نحو إدارة عمومية فعالة ومسؤولة

يمثل الانتقال إلى ميزانية البرامج في 2026 نقطة تحول حاسمة في مسار الحوكمة العمومية في موريتانيا، إذ يفرض الانتقال من ثقافة المطابقة إلى ثقافة الأداء.

وفي هذا السياق، فإن إعادة هيكلة وظيفة الرقابة داخل الإدارة، عبر تطوير التدقيق الداخلي وتعزيز الرقابة الداخلية، لم تعد خيارا بل أصبحت ضرورة استراتيجية.

توصيات أساسية لضمان نجاح التنفيذ

من أجل ترسيخ وظيفة التدقيق الداخلي داخل الوزارات، يوصى بما يلي:

إنشاء وحدات التدقيق الداخلي ابتداء من 2026.

اعتماد إطار وطني معياري مستوحى من المعايير الدولية.

تكوين واسع للكوادر في مجالات التدقيق وإدارة المخاطر وتقييم الأداء.

إنشاء لجان تدقيق داخل الوزارات لتعزيز الحوكمة.

إدماج التدقيق الداخلي ضمن الدورة الميزانية وربطه بأدوات الأداء.

إرساء آلية إلزامية لمتابعة تنفيذ توصيات التدقيق.

تعزيز رقمنة الرقابة عبر نظم المعلومات مثل “رشاد”.

نشر ثقافة الأداء والمساءلة داخل الإدارة.

إن ما يقدمه الدكتور التقي شيخنا اليوم يتجاوز حدود البحث الأكاديمي إلى الإسهام في صياغة ملامح إدارة عمومية أكثر كفاءة وشفافية. فالرجل، بخبرته كمحاسب معتمد وعضو في الهيئة الوطنية للخبراء المحاسبين، وبحضوره في فضاءات البحث والتكوين، يواصل ترسيخ نموذج العالم الذي يكتب ليغير، ويدرس ليبني، ويحلل ليقود، في مسار علمي يجمع بين التخصص الدقيق والالتزام برسالة المعرفة.

كما تعكس جهوده المتواصلة في الكتابة والنشر والتعليم الجامعي هذا الامتداد المتوازن بين إنتاج الفكر وتداوله، وهو ما يتجلى أيضا في أعماله الحديثة، ومن أبرزها كتابه الذي صدر بالفرنسية وترجم إلى عدة لغات، من بينها العربية، تحت عنوان: “الاتصالات في موريتانيا: تأثير أرصدة الاتصال”، حيث يقدم قراءة تحليلية لقضايا حيوية بلغة علمية رصينة.

إنها تجربة تستحق الإشادة، ليس فقط لأنها ناجحة، بل لأنها ضرورية في زمن أصبحت فيه جودة التسيير معيارا حاسما في تقدم الدول.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى