ارتفاع الأسعار امتحان.. وولد أنويكظ ينجح بالفعل لا بالقول

في الأزمنة العادية، تبدو المفاهيم الكبرى مثل المسؤولية والتكافل والقيادة مجرد شعارات تتداولها الخطب وتستهلكها المناسبات، لكن ما إن تضيق الدوائر وتشتد الضغوط حتى تنسحب الزينة اللفظية، ويظهر الجوهر عاريا من كل تزييف، عندها فقط تستعيد المقولة القديمة بريقها ومعناها الكامل: عند الشدائد يعرف الرجال. ليست عبارة إنشائية تقال على سبيل البلاغة، بل قانون اجتماعي واقتصادي صارم، يفرز الناس كما تفرز النار الذهب من الشوائب، ويعيد ترتيب الأدوار وفق معيار واحد لا يقبل التلاعب: من يقف حين يعجز الآخرون، ومن يبادر حين يتردد الجميع.
لقد جاءت التطورات الأخيرة في منطقة الخليج، حيث التوتر المفتوح بين إيران والولايات المتحدة مدعومة بحليفتها إسرائيل، لتلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي، خصوصا في سوق الطاقة الذي يشكل عصب الحياة الحديثة. ولم تكن موريتانيا، رغم بعدها الجغرافي عن بؤر التوتر، بمنأى عن هذه الارتدادات، إذ سرعان ما انعكست الاضطرابات على كلفة الاستيراد وسلاسل التوريد، لتضع صانع القرار أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على التوازنات المالية للدولة وحماية القدرة الشرائية للمواطن.
وفي هذا السياق، اتخذت الحكومة جملة من الإجراءات التي يمكن تصنيفها ضمن سياسات التقشف الضرورية، فتمت مراجعة أسعار الغاز المنزلي والوقود بمختلف أنواعه. وقد تبدو هذه القرارات، في منطق الاقتصاد الكلي، مبررة ضمن إدارة الأزمات وضبط العجز، لكنها في مستوى الحياة اليومية تترجم إلى عبء مباشر يطال تفاصيل العيش البسيطة، حيث لا يتعامل المواطن مع الأرقام المجردة، بل مع كلفة الطبخ والتنقل والإنارة، وهي عناصر لا تقبل التأجيل ولا تحتمل الترف النظري.
وإذا كانت بعض الفئات قادرة على امتصاص الصدمة، سواء بحكم ارتفاع مداخيلها أو ارتباطها بالقطاعين العام والخاص، بل وحتى الفئات الهشة التي تستفيد من برامج الدعم مثل “تآزر” أو من زيادات الرواتب ورفع الحد الأدنى للأجور، فإن هناك كتلة اجتماعية واسعة تقف خارج هذه المظلات، كتلة غير منظمة اقتصاديا، تعيش على الهامش، وتدير يومها بيومه، وتحسن التكيف مع القليل لكنها تعجز أمام الزيادات المفاجئة. هذه الفئة، التي لا تظهر في المؤشرات الرسمية بالقدر الكافي، هي التي تدفع الكلفة الحقيقية لأي قرار اقتصادي غير متدرج، وهي التي تجد نفسها أمام سؤال قاسٍ: كيف يمكن الاستمرار في اقتناء أبسط ضروريات الحياة، وعلى رأسها الغاز المنزلي، بعد أن تضاعف سعره تقريبا؟
هنا تحديدا، تتجلى الفوارق الحقيقية بين من ينظر إلى الأزمة كرقم في تقرير، ومن يراها معاناة يومية تستوجب التدخل. وهنا يبرز اسم رجل الأعمال ونائب مقاطعة بير أمكرين، محمد سالم ولد أنويكظ، ليس بوصفه فاعلا اقتصاديا فحسب، بل كحالة استثنائية تعيد تعريف معنى الدور الاجتماعي لرأس المال. لم يتعامل الرجل مع الزيادة في الأسعار باعتبارها أمرا واقعا يترك للناس ليتدبروا شأنهم، بل قرأ آثارها المباشرة على مجتمعه المحلي، واستشعر حجم الضغط الذي يمكن أن تولده على الأسر محدودة الدخل، فتحرك بسرعة تحسد، وبحس عملي بعيد عن التعقيد.
وبتنسيق محكم مع البلدية والسلطات المحلية، وبشراكة ذكية مع بعض التجار، أطلق مبادرة لتوفير قنينات الغاز المنزلي بحجم 12.5 كلغ بسعر 3000 أوقية قديمة، بدل السعر الجديد الذي بلغ 5000 أوقية قديمة. هذا الفارق، الذي قد يبدو محدودا في حسابات الكبار، يمثل في الواقع مساحة تنفس حقيقية للأسر، ويعني ببساطة أن آلاف الوجبات ستطهى دون قلق، وأن مئات البيوت ستواصل حياتها اليومية دون أن تثقل كاهلها الزيادات المفاجئة. إنها عملية تدخل دقيقة في النقطة الأكثر حساسية في معادلة المعيشة، حيث يتحول الفعل البسيط إلى أثر عميق.
ولا يمكن فهم هذه الخطوة بمعزل عن السياق الأوسع لشخصية الرجل ومسيرته، إذ إن ما قام به ليس رد فعل عابر، بل امتداد لنهج متكامل يقوم على الحضور الدائم إلى جانب مجتمعه. فهو، على حد ما يعرفه القريب والبعيد، دأب على استقدام بعثات طبية أجنبية متكاملة التخصصات، على نفقته الخاصة، لتقديم العلاج المجاني لسكان مقاطعته، بل وتوسيع نطاق هذه المبادرات لتشمل أحيانا كامل ولاية تيرس الزمور. وهذه ليست مجرد أعمال خيرية موسمية، بل استثمار طويل الأمد في صحة الإنسان وكرامته، يعكس فهما عميقا لمعنى التنمية من زاويتها الإنسانية.
بلغة الاقتصاد الحديث، ما يقوم به ولد أنويكظ يندرج ضمن بناء رأس مال اجتماعي صلب، حيث تتحول الثقة إلى أصل استراتيجي، ويتحول القرب من الناس إلى رافعة تأثير لا تقل أهمية عن رأس المال المالي. وفي البعد السياسي، يقدم نموذجا مختلفا للعلاقة بين المنتخب وناخبيه، علاقة لا تختزل في المواسم الانتخابية، بل تستمر كالتزام يومي يتجدد مع كل أزمة، ويترسخ مع كل مبادرة صادقة.
إن الإشادة بمثل هذا النموذج ليست ترفا ولا مجاملة، بل ضرورة لإبراز المعايير التي ينبغي أن يقاس بها الفعل العام، كما أنها رسالة ضمنية إلى بقية رجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين في مختلف ولايات الوطن، بأن اللحظة الراهنة لا تحتمل الحياد، وأن رأس المال، مهما بلغ حجمه، يفقد جزءا من شرعيته إن لم يسهم في تخفيف الأعباء عن المجتمع في أوقات الشدة. فالدولة، مهما بذلت، لا تستطيع أن تكون وحدها في مواجهة كل التداعيات، والشراكة المجتمعية تظل عنصرا حاسما في عبور الأزمات بأقل الخسائر.
وفي نهاية المطاف، حين تطوى هذه المرحلة وتكتب فصولها، لن يتذكر الناس تفاصيل الأرقام ولا مبررات القرارات بقدر ما سيتذكرون من وقف إلى جانبهم حين ضاقت السبل، ومن مد لهم يد العون دون انتظار مقابل. هناك، فقط، يتجسد المعنى الكامل للمقولة، وتكتب أسماء الرجال حيث ينبغي أن تكتب، لا بالحبر، بل بالأثر… وعند الشدائد، حقا، يعرف الرجال.
محمد سالم المختار الشيخ/نواكشوط




