موريتانيا الممكنة.. خارطة الطريق نحو “دبي إفريقيا”

الدولة، في معناها العميق، ليست جهازا إداريا يفرض سلطته، ولا كيانا ماليا يسعى لتعظيم إيراداته، بل هي منظومة قيم قبل أن تكون منظومة مؤسسات. جوهرها العدل، وروحها المساواة، وغايتها الأمن، وشرعيتها تقاس بقدرتها على صون كرامة الإنسان وتوفير حاجاته الأساسية من صحة وتعليم وعيش كريم. ومن هذا المنطلق، تصبح إدارة خيرات البلد مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون عملية اقتصادية، لأن الثروة في أصلها ملك للشعب، والدولة ليست إلا وكيلا أمينا عليها، تحسن استثمارها وتعيد توزيعها بما يحقق الاستقرار والنمو معا.

ولعل العودة إلى تجربة عمر بن عبد العزيز تمنحنا نموذجا تاريخيا نقيا لفهم هذه الفلسفة. فقد أدرك أن الجباية ليست هدفا، بل وسيلة منضبطة بالعدل، وأن القسوة في التحصيل ليست قوة دولة بل علامة ضعفها. حين كتب إلى عماله: “خذوا الحق بالمعروف ولا تظلموا الناس”، كان يؤسس لما يمكن تسميته اليوم “حوكمة الإيرادات”، حيث تربط الموارد بالقيم، ويقاس الأداء بالأثر لا بالأرقام. هذا الفهم يتقاطع مع المفهوم الحديث للضرائب باعتبارها تمويلا للعقد الاجتماعي: تمول الأمن والقضاء والبنية التحتية والصحة، وتستخدم لإعادة توزيع الدخل وتقليل الفوارق، وتوجه الاقتصاد نحو ما ينفع المجتمع. فإذا غابت هذه الغاية، تحولت الضريبة من أداة بناء إلى عبء يهدم الثقة بين الدولة والمواطن.

وفي سياق موريتانيا، تتضح المفارقة بجلاء. نحن أمام دولة محدودة السكان، لا يتجاوز عددهم بضعة ملايين، ونسبة معتبرة منهم خارج الوطن طلبا للعمل أو العلم، وفي المقابل تمتلك البلاد سلة واسعة من الموارد الاستراتيجية: النفط والغاز، الثروة السمكية الهائلة، الحديد والذهب والفوسفات، الثروة الحيوانية، الأراضي الزراعية الخصبة، المياه، والسياحة التراثية التي لم تستثمر بعد بما يليق بها، فضلا عن مداخيل طبيعية من المطارات والموانئ والحدود. هذه المنظومة من الأصول، إذا أُديرت بعقلية استثمارية حديثة، قادرة على توليد عوائد بمليارات الدولارات سنويا، وهو ما يجعل الاعتماد على القروض، داخليا أو خارجيا، خيارا غير مبرر إلا في أضيق الحدود.

غير أن الثروة وحدها لا تصنع دولة قوية، بل طريقة إدارتها هي الفيصل. وهنا تبدأ ملامح مشروع الدولة التي نحلم بها: أولا، قضاء قوي مستقل، لأن العدالة ليست مجرد خدمة بل هي العمود الفقري لكل بناء اقتصادي. لا استثمار بلا ثقة، ولا ثقة بلا قضاء ينصف المظلوم ويردع الظالم. وثانيا، جهاز أمني محترف، من الشرطة الوطنية والدرك، يعمل بعقيدة حماية المجتمع لا مجرد فرض النظام، لأن الأمن هو البيئة الحاضنة لكل نشاط اقتصادي واجتماعي.

أما ملف الفساد، فهو التحدي الأكبر، لأنه يلتهم الموارد بصمت. مكافحته تتطلب حزما استثنائيا، وآليات ردع واضحة، من بينها – ضمن إطار قانوني منضبط – كشف المفسدين أمام المجتمع، من سارقي المال العام، ومزوري الأدوية والأغذية، وتجار المخدرات وحبوب الهلوسة، وناشري الرذيلة، والمرتشين في القطاعين العام والخاص. الفكرة هنا ليست الانتقام، بل صناعة “أثر ردعي” يجعل الجريمة عالية الكلفة، فيتراجع الإقبال عليها. فالدولة التي لا تحاسب، تفتح الباب لتآكل نفسها من الداخل.

وفي جانب السوق، لا يمكن ترك المواطن رهينة لجشع بعض التجار، خصوصا في السلع الأساسية. ومن هذا المنطلق، تبرز فكرة أن تتولى الدولة بنفسها استيراد المواد الحيوية: الوقود بمختلف أنواعه، المواد الغذائية الأساسية، الأدوية، الإسمنت وحديد البناء. الهدف هنا ليس تحقيق الربح، بل ضبط السوق، وكسر الاحتكار، وتوفير هذه السلع بأسعار عادلة. الدولة في هذا النموذج لا تتحول إلى تاجر تقليدي، بل إلى “منظم استراتيجي” يضمن التوازن، بينما تترك بقية الأنشطة التجارية لقطاع خاص يجد مجالات أوسع للنمو دون أن يكون ذلك على حساب قوت المواطن.

ويمتد هذا الدور إلى التنفيذ المباشر للمشاريع الكبرى، عبر جهات موثوقة ذات كفاءة عالية، سواء كانت وطنية كالهندسة العسكرية أو شراكات دولية أوروبية أو صينية، بشرط أن تكون معايير الجودة صارمة ومقدمة على كل اعتبار. الحديث هنا عن بنية تحتية متكاملة: جسور حديثة، أحياء سكنية مخططة، طرق سريعة تربط البلاد بكفاءة، مستشفيات بمستوى عالمي، حدائق عامة ترفع جودة الحياة، ومحطات متطورة للكهرباء والماء، مع إدماج مشاريع تحلية المياه كخيار استراتيجي لمواجهة تحديات المستقبل.

ومن الرؤى الجريئة التي تستحق التأمل، فكرة إنشاء عاصمة جديدة مخططة بالكامل، على أحد المحاور الحيوية بعيدا نسبيا عن البحر، تبنى وفق رؤية حديثة تبدأ من الأساس: شبكات صرف صحي متكاملة، بنية كهرباء ومياه مستقرة، مستشفيات ومرافق إدارية، أحياء سكنية تراعي معايير التصميم الحضري، قطع أرضية بأسعار معقولة، حدائق ومساحات خضراء، أسواق عصرية، مسلخة كبرى بمواصفات حديثة، وسوق مركزي منظم لبيع وشراء الإبل والغنم والبقر. هذه ليست مجرد مدينة، بل مشروع لإعادة تعريف “جودة الحياة” في البلاد.

ولا يكتمل هذا البناء دون منظومة رقابة علمية متقدمة، من خلال مختبرات حديثة قادرة على كشف تزوير الأدوية والأغذية والعصائر، توضع في المطارات والموانئ والمعابر الحدودية، لتكون خط الدفاع الأول عن صحة المواطن. كما أن إنشاء بوابات عصرية عند مداخل العاصمة ومقاطعات الداخل يعكس هيبة الدولة وينظم حركة الدخول والخروج، ويعطي صورة حضارية عن النظام والانضباط.

في المقابل، فإن فرض ضرائب مجحفة على شعب أغلبه من محدودي الدخل، مع ترك هامش واسع للتجار للتحكم في الأسعار، وغياب خدمات صحية لائقة تدفع المواطن للسفر إلى الخارج طلبا للعلاج، كل ذلك يشير إلى خلل عميق في الأولويات. الدولة الحديثة لا تقاس بمظاهرها، بل بقدرتها على تلبية حاجات مواطنيها بكفاءة وعدل.

إن الحلم ببناء دولة عصرية متقدمة وجميلة ليس ترفا فكريا، بل ضرورة تاريخية. وموريتانيا، بما تملكه من موارد بشرية وطبيعية، قادرة خلال سنوات قليلة، إذا توفرت الإرادة والإدارة، أن تتحول إلى نموذج إفريقي ملهم. المعادلة واضحة في لغة الأعمال: تعظيم الاستفادة من الأصول، تقليل الهدر، رفع كفاءة التنفيذ، وتحقيق أعلى عائد اجتماعي ممكن.

وحين تلتقي هذه العناصر مع قيادة واعية وإرادة صادقة، لا يعود الحديث عن “دبي إفريقيا” مجرد حلم، بل مشروع قابل للتحقق، يبدأ بخطوة: إعادة تعريف وظيفة الدولة، من جابية إلى راعية، ومن متحكمة إلى خادمة لشعبها.

بقلم : محمد سالم المختار الشيخ

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى