الدولة التي تعفي قبل أن تحصل.. ماذا تقول التجربة السورية؟

ثمة خبر عابر في ظاهره، عميق في دلالته: إعلان رسمي في سوريا عن إعفاء شبه كامل لمحدودي الدخل من الضرائب، مع سقف دخل معفى يصل إلى نحو 60–64 مليون ليرة سنويا وفق الصيغ المتداولة، متضمنا بدلات الإعالة والمعيشة. قد يبدو ذلك تفصيلا ماليا في سياق إصلاح ضريبي، لكنه في الحقيقة إعلان عن فلسفة حكم: من يستحق الحماية أولا؟ ومن يطلب منه أن يساهم أكثر؟ هنا لا تتحدث الأرقام وحدها، بل تتكلم رؤية تضع الإنسان قبل الجباية، وتقدم الاستقرار الاجتماعي بوصفه شرطا سابقا على أي توازنات محاسبية.
غير أن قوة هذا المثال لا تكمن في رقم الإعفاء فحسب، بل في الحزمة التي ترافقه. فالإصلاح، كما عرض، لا يقتصر على تخفيف العبء عن ذوي الدخل المحدود، بل يمتد إلى تبسيط النظام الضريبي، وتقليل تعقيداته الإدارية التي طالما غذت التهرب وأضعفت الامتثال. الحديث هنا عن نقل النظام من متاهة إجراءات إلى مسار واضح يمكن للمكلف أن يفهمه ويثق به. وفي قلب هذه الرؤية، يظهر هدف صريح: تعزيز العدالة والشفافية، ورفع تنافسية البيئة الضريبية لخدمة النشاط الاقتصادي، لا خنقه.
وتتعمق الدلالة أكثر مع طرح إنشاء صندوق وطني للزكاة، بوصفه أداة موازية لإعادة توزيع الدخل على أسس أكثر استهدافا. هذه ليست إضافة شكلية، بل محاولة لبناء قناة تمويل اجتماعي لها شرعية ثقافية واقتصادية، شريطة أن تدار بحوكمة صارمة، وقاعدة بيانات دقيقة، وتدقيق مستقل يضمن أن يصل الدعم إلى مستحقيه. فالفكرة في جوهرها بسيطة: إن أردت أن تعفي الفقير من الضريبة، فعليك أيضا أن تؤمن له شبكة أمان فعالة.
اللافت كذلك هو الإقرار بأن الهدف الأساسي للنظام الضريبي ليس الجباية، بل دعم التنمية المستدامة. هذه جملة تبدو بديهية، لكنها في الواقع تعيد ترتيب الهرم كله: من تعظيم التحصيل إلى تعظيم الأثر. لذلك جاءت المقترحات مرفقة بحوافز للاستثمار، خاصة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبانفتاح على القطاع الخاص عبر لجان تشاركية وغرف تجارة وصناعة، في محاولة لصياغة عقد ضريبي جديد يقوم على الحوار لا المفاجأة.
ومع ذلك، لا يغيب عن المشهد شرط النجاح الأهم: الثقة. فالإعفاءات، والصناديق، والحوافز، كلها تفقد معناها إن لم تسند بشفافية في الإنفاق، وتقارير دورية تظهر أين تذهب الموارد، وكيف تترجم إلى خدمات في الصحة والتعليم والبنية التحتية. هنا يتحول الإصلاح من نصوص قانونية إلى ممارسة يومية يمكن للمواطن أن يراها ويقيسها. كما أن التحول الرقمي في تسجيل الضرائب ومتابعة الإنفاق ليس رفاهية تقنية، بل أداة مركزية للحد من الفساد ورفع كفاءة الخدمة.
لكن التجربة، بكل طموحها، تضعنا أمام معادلة دقيقة: كيف نوازن بين تخفيف العبء الضريبي وتعزيز الإيرادات؟ الإجابة لا تكون بالعودة إلى جيب الفقير، بل بتحسين كفاءة التحصيل حيث تكون القدرة على الدفع أعلى، وبإغلاق منافذ التسرب، وبإدارة الأصول السيادية بذكاء. الموانئ والمطارات والمعابر الحدودية، على سبيل المثال، ليست مجرد نقاط عبور، بل روافع مالية إذا أُحسن تنظيمها والرقابة عليها، أمكن أن تخفف الضغط عن الداخل دون الإخلال بالتوازن الكلي.
ومن زاوية أوسع، يذكرنا هذا المسار بأن العدالة الضريبية ليست مساواة حسابية، بل إنصافا عمليا: أن يدفع كل بحسب قدرته، وأن تحمى الفئات الأقل حيلة من صدمات السوق. هذه ليست فقط قيمة أخلاقية، بل سياسة اقتصادية رشيدة. فتعزيز القوة الشرائية لمحدودي الدخل ينعكس طلبا داخليا، ويغذي دورة الإنتاج، ويحد من التوترات الاجتماعية التي تكلف الاقتصاد أضعاف ما توفره الجباية السريعة.
هكذا يتحول الخبر إلى درس يتجاوز حدوده الجغرافية. ليس لأنه يقدم وصفة جاهزة، بل لأنه يعيد طرح الأسئلة الصحيحة: هل نبدأ بالإنسان أم بالأرقام؟ هل نقيس النجاح بحجم ما نحصل، أم بمدى ما نصلح؟ في النهاية، الدولة التي تعفي قبل أن تحصل لا تتخلى عن مواردها، بل تستثمرها حيث تصنع الشرعية وتبنى الثقة. وكل سياسة ضريبية لا تنطلق من هذه القاعدة، ستظل، مهما بلغت دقتها، أقل من أن تحقق غايتها الأعمق.
محمد سالم المختار الشيخ
نواكشوط/موريتانيا




