هزلت.. حين تتحدث إسرائيل عن الإبادة الجماعية للأرمن

أعلنت “إسرائيل” اليوم اعترافها بما سمته “الإبادة الجماعية للأرمن” التي وقعت عام 1915 خلال الحرب العالمية الأولى. وبصرف النظر عن حقيقة ما جرى للأرمن، فإن كل جريمة استهدفت الأبرياء، أينما كانت ومهما كان مرتكبها، تستحق الإدانة الأخلاقية والإنسانية، ولا يجوز التقليل من شأن أي مأساة إنسانية أو تبريرها.

لكن ما يثير الدهشة حقا هو أن يأتي هذا الاعتراف من إسرائيل، في وقت تواجه فيه اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني في غزة، وسط مشاهد الدمار والقتل التي يتابعها العالم يوميا، ووسط دعاوى منظورة أمام محاكم دولية، وتقارير صادرة عن منظمات حقوقية وأممية تتحدث عن انتهاكات خطيرة بحق المدنيين.

إسرائيل التي تواصل عملياتها العسكرية في غزة، وتقصف مناطق في جنوب لبنان، وتنفذ ضربات داخل الضفة الغربية وجنوب سوريا، والتي لا ينجو من نيرانها طفل ولا امرأة ولا شيخ، ولا مستشفى ولا مدرسة ولا دار عبادة، تأتي اليوم لتتحدث عن الإبادة الجماعية وكأنها تقف في موقع الواعظ الأخلاقي. فأي مفارقة هذه، وأي منطق يمكن أن يستوعب هذا المشهد؟

إسرائيل التي تشهد سجونها انتهاكات موثقة بحق الأسرى، والتي يواصل مستوطنون فيها الاعتداء على الفلسطينيين، وحرق منازلهم ومزارعهم وممتلكاتهم، تحت حماية أو تغاض في كثير من الحالات، هي نفسها التي تريد اليوم أن تقدم للعالم دروسا في حقوق الإنسان والعدالة التاريخية. فهل يستقيم أن يكون المتهم بانتهاك أبسط الحقوق هو من يوزع صكوك الإدانة على الآخرين؟

ثم إن إسرائيل التي لم تتوقف الاعتداءات في القدس بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية، والتي خرج من بين وزرائها من دعا علنا إلى استخدام السلاح النووي ضد قطاع غزة، لا تبدو مؤهلة أخلاقيا للحديث عن المآسي الإنسانية، ولا عن حرمة الدماء، ولا عن قدسية الحياة. فالمواقف لا تقاس بالشعارات، وإنما بالأفعال.

لسنا هنا بصدد إنكار أو التقليل من أي جريمة شهدها التاريخ. فالهولوكوست، والإبادة الجماعية في رواندا، ومذبحة سريبرينيتسا، جرائم اعترف بها القانون الدولي والمحاكم الدولية، كما أن هناك مآسي أخرى اعترفت بها دول كثيرة أو يعدها عدد كبير من المؤرخين إبادة جماعية، مثل ما جرى للأرمن، والآشوريين، واليونانيين البنطيين، وما حدث في كمبوديا، وما تعرض له الإيزيديون. وكل دم بريء أُريق ظلما هو وصمة عار في جبين الإنسانية.

لكن في المقابل، لا يحق لدولة تواجه اليوم اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ويلاحق قادتها اتهامات أمام القضاء الدولي، أن تتحدث بلسان المدافع عن الضحايا، بينما لا يزال ضحاياها تحت الأنقاض، وتحت القصف، وفي السجون، وتحت وطأة الاحتلال والاستيطان. فالعدالة لا تكون انتقائية، والضمير الإنساني لا يجزأ بحسب المصالح والسياسة.

أما من يرى أن هذا الاعتراف يحمل أبعادا سياسية تتجاوز البعد الإنساني، وأنه يأتي في سياق الصراع على الرواية التاريخية وما يقال عن توظيف ملف أحداث عام 1915 للإساءة إلى الدولة العثمانية، فذلك يبقى رأيا سياسيا مطروحا للنقاش، ولا يغير من المبدأ الثابت بأن أي جريمة ضد المدنيين، أيا كان مرتكبها أو ضحيتها، تستحق الإدانة.

لقد هزلت حقا أن يتصدر الحديث عن الإبادة من تتهمه منظمات ومحاكم وهيئات دولية بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق شعب أعزل. وقديما قيل: “إذا لم تستح فاصنع ما شئت.” أما العدالة الحقيقية، فلا تعرف ازدواجية المعايير، ولا تمنح أحدا حق ارتداء ثوب الضحية وهو يمارس، في نظر منتقديه، أفعال الجلاد. ويبقى التاريخ أكثر إنصافا من السياسة، لأن دماء الأبرياء لا تسقط بالتقادم، ولا تغسلها البيانات، ولا تمحوها القرارات.

محمد سالم المختار الشيخ |موريتانيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى