رأس تنورة تكتسي بالحزن.. وموريتانيا تبعث برسالة تضامن ومواساة إلى السعودية

تأتي بعض الأخبار ثقيلة على الأرواح، لا لأنها تحصي أرقاما في سجل الحوادث، ولا لأنها تنقل تفاصيل مأساة عابرة، بل لأنها تخبرنا أن أرواحا كانت تنبض بالأمل، وتسعى في مناكب الأرض، وتخطط للغد، قد رحلت في لحظة لا يملك الإنسان أمامها إلا أن يخفض رأسه خضوعا لقضاء الله وقدره. فالموت، مهما تعددت أسبابه واختلفت صوره، يبقى الحقيقة الكبرى التي تساوي بين الناس جميعا، وتذكرهم بأن الدنيا دار عبور لا دار بقاء، وأن الأعمار صفحات كتبها الله قبل أن يخلق الخلق، فلا تتقدم ساعة ولا تتأخر.

لقد خيم الحزن على المملكة العربية السعودية إثر حادث سقوط مروحية تابعة لشركة أرامكو في مدينة رأس تنورة، والذي أودى بحياة أربعة عشر مواطنا سعوديا، في مشهد مؤلم هز القلوب، وأعاد إلى الأذهان هشاشة الحياة وسرعة تقلبها. فما بين لحظة وأخرى قد يتحول الأمل إلى فراق، واللقاء إلى وداع، ويبقى الإيمان بقضاء الله وقدره هو السلوى التي يستمد منها المؤمن قوته، ويستعين بها على احتمال المصاب، مستحضرا أن ما عند الله خير وأبقى، وأن رحمته أوسع من كل ألم.

قال الله تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ”، وقال سبحانه: “وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”. إنها آيات يقرؤها المؤمن في أيام الرخاء، لكنها في ساعات الفقد تتحول إلى نور يهدي القلوب الحائرة، ويغمر النفوس بالسكينة، ويجعل الصبر عبادة، والاحتساب بابا عظيما للأجر والثواب. وما أعظمها من نعمة حين يرزق الله عبده قلبا راضيا بقضائه، ولسانا لا ينطق إلا بالحمد، ونفسا تؤمن أن اللقاء عند الله خير من فراق الدنيا.

وفي مثل هذه المواقف، تتجلى معاني الأخوة الصادقة، وتظهر القيم التي لا تصنعها المصالح، وإنما تصوغها المواقف النبيلة والوشائج الصادقة. فعندما يحل الحزن ببلد شقيق، تمتد إليه الأيدي بالدعاء، وتسبقه القلوب بالمواساة، لأن روابط الدين والعروبة والمحبة أعمق من أن تضعفها المسافات أو تحدها الحدود. ومن هذا المنطلق، عبرت الحكومة الموريتانية عن بالغ حزنها وتأثرها بهذا المصاب الجلل، وقدمت إلى قيادة المملكة العربية السعودية، وإلى أسر الضحايا وذويهم، أصدق مشاعر التعزية وصادق المواساة، مؤكدة وقوف موريتانيا إلى جانب المملكة في هذا الظرف الأليم، وداعية الله تعالى أن يتغمد الضحايا بواسع رحمته، وأن يرفع درجاتهم في عليين، وأن يربط على قلوب أهلهم بالصبر والرضوان.

إن المصائب، على قسوتها، تذكر الإنسان بحقيقة الوجود، وبأن ما يبقى بعد الرحيل ليس المال ولا الجاه، وإنما العمل الصالح، والسيرة الطيبة، والدعوات الصادقة التي ترفعها الأكف في جوف الليل، راجية من الله الرحمة والمغفرة. فكم من إنسان غاب جسده عن الدنيا، وبقي أثره في القلوب، وكم من فقيد ترك خلفه دعوات لا تنقطع، ورحمة يرجى أن تشمل كل من أحسن في حياته وأخلص في عمله. نسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يجعل هؤلاء الراحلين في زمرة الشهداء والصالحين، وأن يجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، وأن يخلف على أهلهم بالصبر الجميل، وأن يحفظ المملكة العربية السعودية وشعبها من كل سوء ومكروه.

وأمام هذا المصاب الأليم، يتقدم موقع الحدث ميديا بأحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي العهد ، وإلى أسر الضحايا وذويهم، وإلى الشعب السعودي الكريم كافة، سائلين المولى عز وجل أن يتغمد الراحلين بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنهم فسيح جناته، وأن يلهم أهلهم ومحبيهم جميل الصبر والسلوان، وأن يديم على المملكة العربية السعودية أمنها واستقرارها، ويحفظها من كل سوء ومكروه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

المدير/ محمد سالم المختار الشيخ

وزارة الخارجية الموريتانية 🇲🇷

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى