كَلِيْلَةٌ وَدِمْنَةٌ/اعْتَنَى بِتَنْسِيْقِ نَصِّهِ من طَبْعَةِ بُولَاق وتَصْحِيْحِها:الحُسَيْنُ بن حَيْدَر “الباب الثالث”

عَرْضُ الكِتَابِ
قال عبدُ اللهِ بن المُقَفَّع: هذَا كِتَابُ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ، وَهُوَ مِمَّا وَضَعَهُ عُلَمَاءُ الهِنْدِ مِنَ الأَمْثَالِ وَالأَحَادِيثِ الَّتِي أُلهِمُوا أنْ يُدْخِلُوا فِيهَا أَبْلَغَ مَا وَجَدُوا مِنَ القَوْلِ فِي النَّحْوِ الَّذِى أَرَادُوا، وَلَمْ تَزَلِ العُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ يَلْتَمِسُونَ أَنْ يُعْقَلَ عَنْهُمْ، وَيَحْتَالُونَ فِي ذَلِكَ بِصُنُوفِ الحِيلِ، وَيَبْتَغُونَ إِخْرَاجَ مَا عِندَهُمْ مِنَ العِلَلِ، حَتَّى كَانَ مِنْ تِلْكَ العِلَلِ وَضْعُ هَذَا الكِتَابِ عَلَى أَفْوَاهِ البَهَائِمِ وَالطَّيْرِ، فَاجْتَمَعَ لهُمْ بِذلِكَ خِلَالٌ. أَمَّا هُمْ فَوَجَدُوا مُتَصَرَّفًا فِي القَوْلِ وَشِعَاباً يَأْخُذُونَ مِنْهَا. وَأَمَّا الكِتَابُ فَجَمَعَ حِكْمَةً وَلهَوًا: فَاخْتَارَهُ الحَكَاءُ لِحكْمَتِهِ، والسَّفَهَاءُ لِلَهْوِهِ، وَالمُتَعَلِّمُ مِنَ الأَحْدَاثِ نَاشِطٌ فِي حِفْظِ مَا صَارَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ يُرْبَطُ فِي صَدْرِهِ وَلَا يَدْرِي مَا هُوَ، بَلْ عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ مِنْ ذَلِكَ بِمَكْتُوبٍ مَرْقُومٍ. وَكَانَ كَالرَّجُلِ الَّذِي لَمَّا اسْتَكُملَ الرُّجُولِيَّةَ وَجَدَ أَبَوَيْهِ قَدْ كَنَزَا لَهُ كُنُوزًا وَعَقَدًا لَهُ عُقُودًا اسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الكَدْحَ فِيمَا يَعْمَلُهُ مِنْ أَمْرِ مَعِيشَتِهِ، فَأَغْنَاهُ مَا أَشْرَفَ عَلَيْهِ مِنَ الحَكْمَةِ عَنِ الحَاجَةِ إِلَى غَيْرِهَا مِنْ وُجُوهِ الأَدَبِ.
وَيَنْبَغَي لِمَنْ قَرَأَ هَذَا الكِتَابَ أنْ يَعْرِفَ الوُجُوهَ الَّتِي وُضِعَتْ لَهُ، وَإِلَى أَيِّ غَايَةٍ جَرَى مُؤلِّفَهُ فِيهِ عِندَمَا نَسَبَهُ إِلَى البَهَائِمِ وأَضَافَهُ إِلَى غَيْرِ مُفْصِحٍ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأَوْضَاعِ الَّتِي جَعَلَهَا أمثالاً، فَإِنَّ قَارِئَهُ مَتَى لم يَفْعَلْ ذلكَ لم يَدْرِ مَا أُرِيْدَ بِتِلْكَ المَعَانِي، وَلَا أَيَّ ثَمَرَةٍ يَجْتَنِي مِنْهَا، وَلَا أَيَّ نَتِيْجَةٍ تَحْصُلُ لَهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِ مَا تَضَمَّنَهُ هذا الكِتَابُ، وَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ غَايَتُهُ اسْتَتَمامَ قِرَاءَتِهِ إِلَى آخِرِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ مَا يَقْرَأُ مِنْهُ لَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ نَفْعُهُ. وَمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْ جَمَعِ العُلُومِ وَقِرَاءَةِ الكُتُبِ، مِنْ غَيْرِ إِعْمَالِ الرَّوِيَّةِ فِيمَا يَقْرَؤُهُ كَانَ خَلِيقًا أَلَّا يُصِيْبَهُ إِلَّا مَا أَصَابَ الرَّجُلَ الَّذِى زَعَمَتِ العُلَمَاءُ أَنَّهُ اجْتَازَ بِبَعْضِ المُفَاوِزِ، فَظَهَرَ لَهُ مَوضِعُ آثارِ كَنْزٍ، فَجَعَلَ يَحْفِرُ وَيَطْلُبُ، فَوَقَعَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَيْنٍ وَوَرِقٍ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: إِنْ أَنَا أَخَذْتُ فِي نَقْلِ هَذَا المَالِ قَلِيْلًا قَلِيْلًا طَالَ عَلَيَّ، وَقَطَعَنِي الاشْتِغَالُ بِنَقْلِهِ وَإحْرَازِهِ عَنِ اللَّذَةِ بِمَا أَصَبْتُ مِنْهُ، وَلَكِنْ سَأَسْتَأْجِرُ أَقْوَامًا يَحْمِلُونَهُ إلى مَنْزِلِي وأكُونُ أَنَا آخِرَهُمْ، وَلَا يَكُونُ بَقَي وَرَائِي شَيْءٌ يَشْغَلُ فِكْرِي بِنَقْلِهِ، وَأَكُونُ قَدِ اسْتَظْهَرْتُ لِنَفْسِي فِي إِرَاحَةِ بَدَنِي عَنِ الكَدِّ بِيَسِيرِ أُجْرَةٍ أَعْطِيهِمْ إِيَّاهَا. ثُمَّ جَاءَ بِالحَمَّالِينَ، فَجَعَلَ يُحْمِّلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُطِيقُ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَيَفُوزُ بِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ منَ الكَنْزِ شَيْءٌ، فَانْطَلَقَ خَلْفَهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ مِنَ المَالِ شَيْئًا، لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيراً. وَإِذَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الحَمَّالِينَ قَدْ فَازَ بِمَا حَمَلَهُ لِنَفْسِهِ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا العَنَاءُ وَالتَّعَبُ، لِأنَّه لم يُفَكِّرْ فِي آخِرِ أَمْرِهِ. وَكَذلِكَ مَنْ قَرَأَ هُذا الكِتَابَ، وَلَم يَفْهَمْ مَا فِيهِ وَلَمْ يَعْلَمَ غَرَضَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِناً، لمْ يَنْتَفِعْ بمَا بَدَا لَهُ مِنْ خَطِّهِ وَنَقْشِهِ، كَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا قُدِّمَ لَهُ، جَوْزٌ صَحِيحٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ إِلَّا أَن يَكْسِرَهُ، وَكَانَ أَيْضًا كَالرَّجُلِ الَّذِي طَلَبَ عِلْمَ الفَصِيحِ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، فَأَتَى صَدِيقًا لَهُ مِنَ العلماءِ لَهُ عِلْمٌ بِالفَصَاحَةِ، فَأَعْلَمَهُ حَاجَتَهُ إِلَى عِلْمِ الفَصِيحِ، فَرسَمَ لَهُ صَدِيقُهُ فِي صَحِيفَةٍ صَفْرَاءَ فَصِيْحَ الكَلَامِ وَتَصَارِيفَهُ وَوُجُوْهَهُ، فَانْصَرَفَ المُتَعَلِّمُ إلى مَنْزِلِهِ، فَجَعَلَ يُكْثِرُ قِرَاءَتَهَا وَلَا يَقِفُ عَلَى مَعَانِيهَا. ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَحْفِلٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالأَدَبِ، فَأَخَذَ في مُحَاوَرَتِهِمْ، فَجَرَتْ لَهُ كَلِمَةٌ أَخْطَأَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الجَمَاعَةِ: إِنَّكَ قَدْ أَخطَأتَ، وَالوَجْهُ غَيْرُ مَا تَكَلَّمْتَ به.
فَقَالَ: وَكَيْفَ أُخْطِيُّ وَقَدْ قَرَأْتُ الصَّحِيفَةَ الصَّفْرَاءَ، وَهِيَ في مَنْزِلِي؟ فَكَانَتْ مَقَالَتُهُ لَهُمْ أَوْجَبَ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ وَزَادَهُ ذلك قُرْباً مِنَ الجَهْلِ وَبُعْدًا مِنَ الأَدَبِ.
ثُمَّ إنَّ العَاقِلَ إِذَا فَهم هذا الكِتَابَ وَبَلَغَ نِهَايَةَ عِلْمِهِ فِيهِ، يَنبَغِي لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا عَلِمَ مِنْهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ، وَيَجْعَلَهُ مِثَالًا لَا يَحِيدُ عَنْهُ. فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، كَانَ مَثَلُهُ كَالرَّجُلِ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّ سَارِقًا تَسَوَّرَ عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي مَنْزِلِهِ، فَعَلِمَ بِهِ فَقَالَ: وَاللهِ لَأَسْكَتَنَّ حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يَصْنَعُ، وَلَا أَذْعَرُهُ، وَلَا أُعْلِمُهُ أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ بِهِ، فَإِذَا بَلَغَ مُرَادَهُ قُمْتُ إِلَيْهِ، فَنَغَّصْتُ ذلكَ عَلَيْهِ. ثُمَّ إِنَّهُ أَمْسَكَ عَنْهُ. وَجَعَلَ السَّارِقُ يَتَرَدَّدُ، وَطَالَ تَرَدُّدُهُ في جَمْعِهِ مَا يَجِدُهُ، فَغَلَبَ الرَّجُلَ النُّعَاسُ فَنَامَ، وَفَرَغَ اللِّصُّ مِمَّا أَرَادَ، وَأَمْكَنَهُ الذَّهَابُ، وَاسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ اللَّصَّ قَدْ أَخَذَ المَتَاعَ وَفَازَ بِهِ. فَأَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ يَلُومُهَا، وَعَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ بِاللَّصُ إِذْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ فِي أَمْرِهِ ما يَجِبُ. فَالعِلْمُ لَا يَتمُ إِلَّا بِالعَمَلِ، وَهُوَ كَالشَّجَرَةِ وَالعَمَلُ به كَالثَّمَرَةِ. وَإِنَّمَا صَاحِبُ العِلْمِ يَقُومُ بِالعَمَلِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ، وَإِنْ لم يَسْتَعْمِلْ مَا يَعْلَمُ لَا يُسَمَّى عَالِمًا. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَالِمًا بطَرِيقٍ مَخُوْفٍ، ثُمَّ سَلَكَهُ عَلَى عِلْمٍ بِهِ سُمِّيَ جَاهِلًا، وَلَعَلَّهُ إِنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ وَجَدَهَا قَدْ رَكِبَتْ أَهْوَاءً هَجَمَتْ بِهَا فِيمَا هُوَ أَعْرَفُ بِضَرَرِهَا فِيهِ وَأَذَاهَا مِنْ ذَلكَ السَّالِكِ فِي الطَّرِيقِ المَخُوفِ الَّذِي قَدْ جَهِلَهُ. وَمَنْ رَكِبَ هَوَاهُ وَرَفَضَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ بِمَا جَرَّبَهُ هُوَ أَوْ أَعْلَمَهُ بِهِ غَيْرُهُ كَانَ كَالمَرِيضِ العَالِمِ بِرَدِيءِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَجَيِّدِهِ وخَفِيْفِهِ وَثَقِيْلِه، ثُمَّ يَحْمِلُهُ الشَّرَهُ علَى أَكْلِ رَدِيئِهِ وَتَرْكِ مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى النَّجَاةِ والتَّخَلُّصِ مِن عِلَّتِهِ. وَأَقَلُّ النَّاسِ عُذْرًا فِي اجْتِنَابِ مَحْمُودِ الأَفْعَالِ وَارْتِكَابِ مَذْمُومِهَا مَنْ أَبْصَرَ ذَلِكَ وَمَيَّزَهُ وَعَرَفَ فَضْلَ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ كَمَا أَنَّهُ لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا بَصِيرٌ وَالآخَرُ أَعْمَى سَاقَهُمَا الأَجَلُ إلى حُفْرَةٍ فَوَقَعَا فِيهَا، كَانَا إِذَا صَارَا فِي قَاعِهَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، غَيْرَ أَنَّ البَصِيرَ أَقَلُّ عُذْرًا عِندَ النَّاسِ مِنَ الضَّرِيرِ، إِذْ كَانَتْ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَذَاكَ بِمَا صَارَ إِلَيْهِ جَاهِلٌ غَيْرُ عَارِفٍ.
وَعَلَى العَالِمِ أَنْ يَبْدَأَ بِنَفْسِهِ وَيُؤدِّبَهَا بِعِلْمِهِ، وَلَا تَكُونَ غَايَتَهُ اقْتِنَاؤُهُ العِلْمَ لِمُعَاوَنَةِ غَيْرِهِ، وَيَكُونَ كَالعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ النَّاسُ مَاءَهَا وَلَيْسَ لَها فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ المَنْفَعَةِ، وَكَدُودَةِ القَزِّ الَّتِي تُحْكِمُ صَنْعَتَهُ وَلَا تَنْتَفَعُ بِهِ. فَيَنْبَغِي لِمَنْ طَلَبَ العِلمَ أنْ يَبْدَأَ بِعِظَةِ نَفْسِهِ، ثُمَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذلِكَ أَنْ يَقْبِسَهُ، فَإِنَّ خِلَالًا يَنْبَغِي لصَاحِبِ الدُّنْيَا أَنْ يَقْتَنِيَهَا وَيُقْبِسَهَا، مِنْهَا العِلْمُ وَالمَالُ. وَمِنْهَا اتَّخَاذُ المَعْرُوْفِ. وَلَيْسَ لِلْعَالِمِ أَنْ يَعِيبَ امْرَأً بِشَيْءٍ فِيهِ مِثْلُهُ، وَيَكُونَ كَالأَعْمَى الَّذِى يُعَيِّرُ الأَعْمَى بِعَمَاهُ. وَيَنْبَغِي لِمَنْ طَلَبَ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ غَايَةٌ وَنِهَايَةٌ، وَيَعْمَلَ بِهَا، وَيَقِفَ عِنْدَهَا، ولَا يَتَمَادَى فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: مَنْ سَارَ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ يُوشِكُ أَنْ تَنْقَطِعَ بِهِ مَطِيَّتُهُ، وَأَنَّهُ كَانَ حَقِيقًا أَلَّا يُعَنِّى نَفْسَهُ في طَلَبِ مَا لَا حَدَّ لَهُ، وَمَا لَمْ يَنلَهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، وَلَا يَتَأَسَّفَ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونَ لِدُنْيَاهُ مُؤْثِرًا عَلَى آخِرَتِهِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِالغَايَاتِ قَلَّتْ حَسْرَتُهُ عِنْدَ مُفَارَقَتِهَا.
وَقَدْ يُقَالُ فِي أَمْرَيْنِ إنَّهُما يَجُمُلَانِ بِكُلِ أَحَدٍ: أَحَدُهُمَا النُّسْكُ وَالآخَرُ المالُ الحَلَالُ، وَلَا يَلِيقُ بِالعَاقِلِ أَنْ يُؤَنِّبَ نَفْسَهُ عَلَى مَا فَاتَهُ وَلَيْسَ فِي مَقْدُورِهِ، فَرُبَّما أَتَاحَ اللهُ لَهُ مَا يَهْنَأُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي حُسْبَانِهِ. وَمِنْ أَمْثَالِ هذَا أَنَّ رَجُلًا كَانَ بِهِ فَاقَةٌ وَجُوْعٌ وَعُرَيٌ، فَأَلجَأهُ ذَلِكَ إِلَى أنْ سَأَلَ أَقَارِبَهُ وَأصْدِقَاءَهُ، فَلَمْ يَكُنْ عِندَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَضْلٌ يَعُودُ بهِ عَلَيْهِ. فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي مَنْزِلِهِ إِذْ بَصُرَ بِسَارِقٍ فِيهِ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا فِي مَنْزِلِي شَيْءٌ أَخَافُ عَلَيْهِ، فَلْيَجْهَدِ السَّارِقُ جُهْدَهُ.
فَبَيْنَما السَّارِقُ يَجُولُ إِذْ وَقَعَتْ يَدُهُ عَلَى خَابِيَةٍ فِيهَا حِنْطَةٌ، فَقَالَ السَّارِقُ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَنَائِي اللَّيْلَةَ بَاطِلاً، وَلَعَلِّي لَا أَصِلُ إِلى مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَكِنْ سَأَحْمِلُ هَذِه الحِنْطَةَ. ثُمَّ بَسَطَ قَمِيصَهُ لِيَصُبَّ عَلَيْهِ الحِنْطَةَ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: أَيَذْهَبُ هَذَا بِالحِنْطَةِ وَلَيْسَ وَرَائِي سِوَاهَا؟ فَيَجْتَمِعُ عَلَيَّ مَعَ العُرْيِ ذَهَابُ مَا كُنْتُ أَقْتَاتُ بِهِ. وَمَا تَجْتَمِعُ وَاللهِ هَاتَانِ الخَلَّتَانِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أَهْلَكَتَاهُ. ثُمَّ صَاحَ بِالسَّارِقِ، وَأَخَذَ هِرَاوَةً كَانَتْ عِندَ رَأْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسَّارِقِ حِيلَةٌ إِلَّا الهَرَبَ مِنْهُ، وَتَرَكَ قَمِيصَهُ وَنَجَا بِنَفْسِهِ، وَغَدَا الرَّجُلُ بِهِ كَاسِيًا.
وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَرْكَنَ إِلَى مِثْلِ هَذَا وَيَدَعَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الحَذَرِ والعَمَلِ فِي مِثْلِ هَذَا لِصَلَاحِ مَعَاشِهِ، وَلَا يَنْظُرَ إِلَى مَنْ تُؤَاتِيهِ المَقَادِيرُ وَتُسَاعِدُهُ عَلَى غَيْرِ التمَاسِ مِنْهُ، لِأَنَّ أُولَئِكَ فِي النَّاسِ قَلِيلٌ، والجمهورُ مِنْهُمْ مَنْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ في الكَدِّ وَالسَّعِي فِيمَا يُصْلِحُ أَمْرَهُ وَيَنَالُ بِهِ مَا أَرَادَ. ويَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حِرْصُهُ عَلَى مَا طَابَ كَسْبُهُ وَحَسُنَ نَفْعُهُ، وَلَا يَتَعَرَّضَ لِمَا يَجْلِبُ عَلَيْهِ العَنَاءَ وَالشَّقَاءَ، فَيَكُونَ كَالحَمامَةِ الَّتِي تُفْرِخُ الفِرَاخَ فَتُؤْخَذُ وَتُذْبَحُ، ثُمَّ لَا يَمْنَعُهَا ذَلِكَ أَنْ تَعُودَ فَتُفْرِخَ مَوْضِعَهَا، وَتُقِيمَ بِمَكَانِهَا فَتُؤْخَذَ الثَّانِيَةُ مِنْ فِرَاخِهَا فَتُذبَحَ.
وقَدْ يُقَالُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ حَدًّا يُوقَفُ عَلَيْهِ. وَمَنْ تَجَاوَزَ فِي الأَشْيَاءَ حَدَّهَا أَوْشَكَ أَنْ يَلْحَقَهُ التَّقْصِيرُ عَنْ بُلُوغِهَا.
وَيُقَالُ: مَنْ كَانَ سَعْيُهُ لآخِرَتِهِ وَدُنْيَاهُ فَحَيَاتُهُ لَهُ وَعَلَيْهِ.
وَيُقَالُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ يَجِبُ على صَاحِبِ الدُّنْيَا إِصْلَاحُهَا وَبَذْلُ جُهْدِهِ فِيهَا: مِنْهَا أَمْرُ مَعِيشَتِهِ، وَمِنْهَا مَا بَيْنَهُ وبينَ النَّاسِ، وَمِنْهَا مَا يُكْسِبُهُ الذِّكْرَ الجَمِيْلَ بَعْدَهُ.
وَقَدْ قِيلَ فِي أُمُورٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ عَمَل: مِنْهَا التَّوَانِي، وَمِنْهَا تَضْيِيعُ الفُرَصِ، وَمِنْهَا التَّصْدِيقُ لِكُلِّ مُخْبِرٍ. فَرُبَّ مُخْبِرٍ بِشَيْءٍ عَقَلَهُ وَلَا يَعْرِفُ اسْتِقَامَتَهُ فَيُصَدِّقَهُ.
وَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ لِهَوَاهُ مُتَهِمًا، وَلَا يَقْبَلَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ حَدِيثًا، وَلَا يَتَمَادَى في الخَطَأِ إِذَا ظَهَرَ لَهُ خَطَؤُهُ وَلَا يُقْدِمَ عَلَى أَمْرٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ، وتَتَّضِحَ لَهُ الحَقِيقَةُ، وَلَا يَكُونَ كَالرَّجُلِ الذِي يَحِيدُ عَنِ الطَّرِيقِ فَيَسْتَمِرَّ عَلَى الضَّلَالِ، فَلا يَزْدَادَ فِي السَّيْرِ إِلَّا جَهْدًا، وَعَنِ القَصْدِ إِلَّا بُعْدًا، وَكَالرَّجُلِ الَّذِي تَقْذَى عَيْنُهُ فَلَا يَزَالُ يَحُكُّهَا، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ الحَكُ سَبَبًا لِذَهَابِهَا.
وَيَجِبُ عَلَى العَاقِلِ أَنْ يُصَدِّقَ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ، وَيَأْخُذَ بِالحَزْمِ، وَيُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَلْتَمِسَ صَلَاحَ نَفْسِهِ بِفَسَادِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ خَلِيقًا أَنْ يُصِيبَهُ ما أَصَابَ التَّاجِرَ مِنْ رَفِيقِهِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ تَاجِرٌ، وَكَانَ لَهُ شَرِيكٌ، فَاسْتَأْجَرًا حَانُونًا، وَجَعَلَا مَتَاعَهُمَا فِيهِ. وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَرِيبَ المَنْزِلِ مِنَ الحَانُوتِ، فَأَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَسْرِقَ عِدْلًا [1]مِنْ أَعْدَالِ رَفِيقِهِ، ومَكَرَ الحِيلَةَ في ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنْ أَتَيْتُ لَيْلًا لَمْ آمَنْ أَنْ أَحْمِلَ عِدْلًا مِنْ أَعْدَالِي أَوْ رِزْمَةً مِن رِزَمِي وَلَا أَعْرِفَهَا، فَيَذْهَبَ عَنَائِي وَتَعَبِي بَاطِلاً. فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، وَأَلْقَاهُ عَلَى الْعِدْلِ الَّذِي أَضْمَرَ أَخَذَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَنزِلِهِ.
وَجَاءَ رَفِيقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ليُصْلِحَ أَعْدَالَهُ، فَوَجَدَ رِدَاءَ شَرِيْكَهِ عَلَى بَعْضٍ أَعْدَالِهِ، فَقَالَ: واللهِ هَذَا رِدَاءُ صَاحِبِي، وَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَدْ نَسِيَهُ. وَمَا الرَّأيُ أَنْ أَدَعَهُ هَاهُنَا، وَلَكِنْ أَجْعَلُهُ عَلَى رِزْمِهِ، فَلَعَلَّهُ يَسْبِقُنِي إِلَى الحَانُوتِ فَيَجِدَهُ حَيْثُ يُحِبُّ. ثُمَّ أَخَذَ الرِّدَاءَ فَأَلْقَاهُ عَلَى عِدْلٍ مِنْ أَعْدَالِ رَفِيقِهِ، وَأَقْفَلَ الحَانُوتَ، وَمَضَى إِلَى مَنْزِلِهِ.
فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ أَتَى رَفِيقُهُ وَمَعَهُ رَجُلٌ قَدْ وَاطَأَهُ [2] عَلَى مَا عَزَمَ عَلَيْهِ، وَضَمِنَ لَهُ جُعْلًا عَلَى حَمْلِهِ، فَصَارَ إِلَى الحَانُوتِ، فَالتَمَسَ الإِزَارَ فِي الظُّلْمَةِ فَوَجَدَهُ عَلَى العِدْلِ، فَاحْتَمَلَ ذلِكَ العِدْلَ وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَالرَّجُلُ، وَجَعَلَا يَتَرَاوَحَانِ عَلَى حَمْلِهِ[3]، حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ، وَرَمَى نَفْسَهُ تَعِبًا.
فَلَمَّا أَصْبَحَ افْتَقَدَهُ فَإِذَا هُوَ بَعْضُ أعْدَالِهِ، فَنَدِمَ أَشَدَّ النَّدَامَةِ. ثُمَّ انْطَلَقَ نَحْوَ الحَانُوتِ، فَوَجَدَ شَرِيكَهُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ فَفَتَحَ الحَانُوتَ وَوَجَدَ العِدْلَ مَفْقُودًا، فَاغْتَمَّ لِذلِكَ غَمًّا شَدِيْدًا، وَقَالَ: وَا سَوْءَتَاهُ مِنْ رَفِيقٍ صَالِحٍ قدِ ائْتَمَنَنِي عَلَى مَالِهِ وَخَلَّفَنِي فِيهِ! مَاذَا يَكُونُ حَالِي عِنْدَهُ؟ وَلَسْتُ أَشُكُ فِي تُهَمَتِهِ إِيَّايَ، وَلَكِنْ قَدْ وَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى غَرَامَتِه.
ثُمَّ أَتَى صَاحِبَهُ فَوَجَدَهُ مُغْتَماً، فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَقَالَ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ الأَعْدَالَ، وَفَقَدْتُ عِدْلًا مِنْ أَعْدَالِكَ، وَلَا أَعْلَمُ بِسَبَبِهِ، وَإِنِّي لَا أَشُكُّ فِي تُهَمَتِكَ إِيَّايَ، وَإِنِّي قَدْ وَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى غَرَامَتِهِ.
فَقَالَ لَهُ: يَا أَخِي لَا تَغْتَمَّ، فَإِنَّ الخِيَانَةَ شَرُّ مَا عَمِلَهُ الإِنْسَانُ، وَالمَكْرُ وَالخَدِيْعَةُ لَا يُؤدِّيَانِ إِلَى خَيْرٍ، وَصَاحِبُهُمَا مَغْرُورٌ أَبَدًا، وَمَا عَادَ وَبَالُ البَغْيِ إِلَّا عَلَى صَاحِبِهِ، وَأَنَا أَحَدُ مَن مَكَرَ وَخَدَعَ واحْتَالَ.
فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: وَكَيْفَ كَانَ ذلكَ؟ فَأَخَبَرَهُ بِخَبَرِهِ، وَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ.
فَقَالَ لَهُ رَفِيقُهُ: ما مَثَلُكَ إِلَّا مَثَلُ اللَّصِّ وَالتَّاجِرِ.
فَقَالَ لَهُ: وَكَيْفَ كَانَ ذَلكَ؟
قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ تَاجرًا كَانَ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ خَابِيَتَانِ[4] إِحْدَاهُمَا مَمْلُوءَةٌ حِنْطَةٌ، وَالأُخرَى مَمْلُوءَةٌ ذَهَباً. فَتَرَقَبَهُ بَعْضُ اللَّصُوصِ زَمَانًا، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْضُ الأَيَّامِ تَشَاغَلَ التَّاجِرُ عَنِ المنْزِلِ، فَتَغَفَّلَهُ اللِّصُ، وَدَخَلَ المَنزِلَ، وَكَمَنَ فِي بَعْضِ نَوَاحِيهِ. فَلَمَّا هَمَّ بِأَخْذِ الخَابِيَّةِ الَّتِي فِيهَا الدَّنَانِيرُ أَخَذَ الَّتِي فِيهَا الحِنْطَةُ، وَظَنَّهَا الَّتِي فِيهَا الذَّهَبُ، وَلَمْ يَزَلْ فِي كَدَّ وَتَعَبٍ حَتَّى أَتَى بِهَا مَنْزِلَهُ فَلَمَّا فَتَحَهَا وَعَلَمَ مَا فِيهَا نَدِمَ.
قَالَ لَهُ الخَائِنُ: مَا أَبْعَدْتَ المَثَلَ، وَلَا تَجَاوَزْتَ القِيَاسَ، وَقَدِ اعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي وَخَطَئِي عَلَيْكَ، وَعَزيزٌ عَلَيَّ أَن يَكُونَ هذَا كَهْذَا. غَيْرَ أَنَّ النَّفْسَ الرَّدِيْئَةَ تَأْمُرُ بِالفَحْشَاءِ. فَقَبِلَ الرَّجُلُ مَعْذِرَتَهُ، وَأَضْرَبَ عَنْ تَوْبِيخِهِ وعَنِ الثِّقَةِ بِهِ، وَنَدِمَ هُوَ عِنْدَمَا عَايَنَ مِنْ سُوْءِ فِعْلِهِ وَتَقْدِيمِ جَهْلِهِ.
وَقَدْ يَنبَغِي لِلنَّاظِرِ فِي كِتَابِنَا هَذَا أَلَّا تَكُونَ غَايَتُهُ التَّصَفُّحَ لِتَزَاوِيقِهِ، بَلْ يُشْرِفُ[5] عَلَى مَا يَتَضَمَّنُ مِنَ الأَمْثَالِ، حَتَّى يَنْتَهَيَ مِنْهُ، وَيَقِفَ عِنْدَ كُلِّ مَثَلٍ وَكَلِمَةٍ، وَيُعْمِلَ فِيهَا رَوِيَّتَهُ، ويَكُونَ مِثْلَ أَصْغَرِ الإخْوَة الثَّلَاثَةِ الذِينَ خَلَّفَ لَهُمْ أَبُوهُم المالَ الكَثِيرَ، فَتَنَازَعُوهُ بَيْنَهُمْ[6]، فَأَمَّا الكَبِيرَانِ فَإِنَّهُمَا أَسْرَعَا فِي إِتْلَافِهِ وَإِنْفَاقِهِ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَإِنَّهُ عِنْدَمَا نَظَرَ مَا صَارَ إِلَيْهِ أَخَوَاهُ مِنْ إِسْرَافِهِمَا وَتَخَلِّيهِمَا مِنَ المَالِ، أَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ يُشَاوِرُهَا، وَقَالَ: يَا نَفْسِي إِنَّمَا المَالُ يَطلُبُهُ صَاحِبُهُ، وَيَجْمَعُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لِبَقَاءِ حَالِهِ، وَصَلَاحِ مَعَاشِهِ وَدُنْيَاهُ، وَشَرَفِ مَنْزِلَتِهِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَاسْتِغْنَائِهِ عَمَّا فِي أَيْدِيهِمْ، وَصَرْفِهِ فِي وَجْهِهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَالإِنْفَاقِ عَلَى الوَلَدِ، وَالإِفْضَالِ عَلَى الإِخْوَانِ. فَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَلَا يُنْفِقُهُ فِي حُقُوقِهِ، كَانَ كالَّذِي يُعَدُّ فَقِيرًا وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ هُوَ أَحْسَنَ إِمْسَاكَهُ وَالقِيَامَ عَلَيْهِ، لَمْ يَعْدَمِ الأَمْرَينِ جَمِيعًا مِنْ دُنْيَا تَبْقَى عَلَيْهِ، وَحَمْدٍ يُضَافُ إِلَيْهِ، وَمَتَى قَصَدَ إنْفَاقَهُ عَلَى غَيْرِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلِمْتَ، لَمْ يَلْبَثْ أَنْ يُتْلِفَهُ وَيَبْقَى عَلَى حَسْرَةٍ وَنَدَامَةٍ. وَلَكِنَّ الرَّايَ أَنْ أُمْسِكَ هذَا المَالَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَن يَنْفَعَنِيَ اللهُ بِهِ، وَيُغْنِيَ أَخَوَيَّ عَلَى يَدَيَّ، فَإِنَّمَا هُوَ مَالُ أَبِي وَمَالُ أَبِيهِمَا، وَإِنَّ أَوْلَى الإِنْفَاقِ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنْ بَعُدَتْ، فَكَيْفَ بِأَخَوَيَّ؟ فَأَنْفَذَ فَأَحْضَرَهُمَا وَشَاطَرَهُمَا مَالَهُ.
وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى قَارِئِ هَذَا الكِتَابِ أن يُدِيمَ النَّظَرَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ضَجَرٍ، وَيَلْتَمِسَ جَوَاهِرَ مَعَانِيهِ، وَلَا يَظُنَّ أَنَّ نَتِيجَتَهُ الإِخْبَارُ عَنْ حِيلَةِ بِهِيمَتَينِ أَوْ مُحَاوَرَةِ سَبُعٍ لِثَوْرٍ: فَيَنْصَرِفَ بِذلِكَ عَنِ الغَرَضِ المقصُودِ. وَيَكُونَ مَثَلُهُ مَثَلَ الصَّيَّادِ الَّذي كَانَ فِي بَعْضِ الخُلْجَانِ يَصِيدُ فيهِ السَّمَكَ في زَوْرَقٍ فَرَأَى ذَاتَ يَوْمٍ فِي أَرْضِ المَاءِ صَدَفَةً تَتَلَأْلَأُ حُسْنًا، فتوهَّمَهَا جَوْهَرًا لَهُ قِيمَةٌ وَكَانَ قَدْ أَلْقَى شَبَكَتَهُ فِي البَحْرِ فَاشْتَمَلَتْ عَلَى سَمَكَةٍ كَانَتْ قُوْتَ يَوْمِهِ، فَخَلَّاهَا وَقَذَفَ نَفْسَهُ في الماءِ لِيَأْخُذَ الصَّدَفَةَ، فَلَمَّا أَخْرَجَهَا وَجَدَهَا فَارِغَةً لَا شَيْءَ فِيْهَا مِمَّا ظَنَّ، فَنَدِمَ عَلى تَرْكِ مَا فِي يَدِهِ لِلطَّمَعِ، وَتَأَسَّفَ عَلى مَا فَاتَهُ، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الثَّانِي تَنَحَّى عَنْ ذلِكَ المَكَانِ، وألْقَى شَبَكَتَهُ، فَأَصَابَ حُوْتًا صَغِيرًا، وَرَأَى أَيْضًا صَدَفَةً سَنِيَّةً، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، وَسَاءَ ظَنُهُ بِهَا فَتَرَكَهَا. فَاجْتَازَ بِهَا بعضُ الصَّيَّادِينَ فَأَخَذَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا دُرَةً تُسَاوِي أَمْوَالًا.
وَكَذَلِكَ الجُهَّالُ إذَا أَغْفَلُوا أَمْرَ التَّفَكُّرِ فِي هَذَا الكِتَابِ، وَتَرَكُوا الوُقُوفَ عَلَى أَسْرَارِ مَعَانِيهِ، وَأَخَذُوا بِظَاهِرِهِ، وَمَنْ صَرَفَ هِمَّتَهُ إِلَى النَّظَرِ فِي أَبْوَابِ الهَزْلِ، كَانَ كَرَجُلٍ أَصَابَ أَرْضًا طَيِّبَةً حُرَةً وَحَبًّا صَحِيْحًا، فَزَرَعَهَا وَسَقَاهَا، حَتَّى إِذَا قَرُبَ خَيْرُهَا وَأينَعَتْ، تَشَاغَلَ عَنْهَا بِجَمْعِ مَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرِ وَقَطْعِ الشَّوْكِ فَأَهْلَكَ بِتَشَاغُلِهِ مَا كَانَ أَحْسَنَ فَائِدَةً وَأَجْمَلَ عَائِدَةً. وَيَنْبَغِي للنَّاظِرِ فِي هَذَا الكِتَابِ أَن يَعْلَمَ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَغْرَاضٍ:
أَحَدُهَا: مَا قُصِدَ فِيهِ إِلَى وَضْعِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْبَهَائِمِ غيْرِ النَّاطِقَةِ لِيُسَارِعَ إِلَى قِرَاءَتِهِ أَهْلُ الهَزْلِ مِنَ الشُّبَّانِ، فَتُسْتَمَالَ بِهِ قُلُوبُهُمْ، لِأَنَّهُ الغَرَضُ بِالنَّوَادِرِ مِنْ حِيَلِ الحَيَوَانِ.
والثَّانِي: إِظْهَارُ خَيَالَاتِ الحَيَوَانِ بِصُنُوفِ الأَصْبَاغِ وَالأَلْوَانِ، ليَكُونَ أُنْسًا لِقُلُوبِ المُلُوكِ، وَيَكُونَ حِرْصُهُمْ عَلَيْهِ أَشَدَّ لِلنُزْهَةِ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ.
وَالثَّالِثُ: أن يَكُونَ عَلَى هَذه الصِّفَةِ، فَيَتَّخِذَهُ المُلُوكُ وَالسُّوقَةُ، فَيَكْثُرَ بِذَلِكَ انْتِسَاخُهُ، وَلَا يَبْطُلَ فَيَخْلَقَ عَلَى مُرُوْرِ الْأَيَّامِ، وَلِيَنْتَفِعَ بِذلِكَ الُمصَوِّرُ والنَّاسِخُ أَبَدًا.
وَالغَرَضُ الرَّابِعُ وَهُوَ الأَقْصَى، وَذَلِكَ مَخصُوصٌ بِالفَيْلَسُوفِ خَاصَّةً.
[1] الأعدال: جمع عِدْل وهي الجوالق أي أوعية من أي شيء كان من قماش أو خيش أو صوف توضع فيها البضائع متساوية متعادلة، والرزمة بعض العِدل
[2] من المواطأة وهو الاتفاق ويعني أجير اتفق معه على زمن معين وأجر معينة
[3] يعني يتناوبان على حمله، فمرة هو يحمل العدل ومرة يحمله الأجير
[4] الخابية هي جرة تتخذ وعاء لحفظ الأطعمة وغير الأطعمة
[5] يشرف عليه أي يطلع عليه من فوق أي يستعظمه فيدقق ويتأمله ولا يستصغره
[6] يعني أنهم تناولوه




