إلى أين تقود إسرائيل أمريكا؟

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة والضفة الغربية، والتي تجاوزت في وحشيتها كل ما سبق، برز مشهد واضح لا لبس فيه: الولايات المتحدة تدعم إسرائيل دعما مطلقا، حتى في أكثر لحظاتها دموية وانتهاكا للإنسانية. وهذا الدعم لا يأتي فقط عبر التصريحات السياسية، بل بأسلحة أمريكية تمطر بها إسرائيل المدنيين وتدمر بها البنى التحتية، دون أي مساءلة حقيقية.

المشاهد القادمة من غزة والضفة تظهر استخداما مكثفا للأسلحة والتقنيات الأمريكية، من القنابل الذكية إلى الطائرات المسيرة، في استهداف منازل ومدارس ومستشفيات. وفي كل مرة يرتفع فيها عدد الضحايا من الأطفال والنساء، تكتفي الإدارة الأمريكية بعبارات مكررة عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، وكأن دماء الفلسطينيين لا تستحق حتى مجرد إدانة.

هذا الانحياز الأمريكي الفج لا يضعف فقط مصداقية واشنطن كدولة راعية للسلام، بل يحولها عمليا إلى شريك مباشر في الجرائم، ويطرح تساؤلا جديا: إلى أين تقود إسرائيل أمريكا بهذه السياسات؟ وهل تدرك واشنطن أنها تخسر الشعوب العربية والإسلامية بسرعة لا رجعة فيها؟

من المفارقات العجيبة أن أمريكا، في انحيازها لإسرائيل، تتجاهل مصالحها الكبرى مع الدول العربية والإسلامية، وهي مصالح تتجاوز بكثير ما يمكن أن تقدمه لها إسرائيل اقتصاديا أو استراتيجيا. الدول العربية والخليجية، على سبيل المثال، تشكل سوقا ضخما للطاقة والسلاح، وشريكا محوريا في حفظ الاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، تتعامل واشنطن بغطرسة واضحة، وكأنها في غنى عن هذه العلاقات، أو كأنها تراهن على نسيان الشعوب لما يحدث في فلسطين.

لكن الشعوب لا تنسى، والمواقف تسجل، والعداوات تبنى على مواقف مثل هذه. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل هذه السياسة تخدم فعلا المصالح الأمريكية، أم أنها نتيجة تغلغل اللوبيات الداعمة لإسرائيل في مراكز القرار الأمريكي؟

ربما تعتقد أمريكا أن دعمها لإسرائيل “واجب استراتيجي”، لكنها تغفل حقيقة أن هذا الدعم أصبح عبئا أخلاقيا وسياسيا، يدفعها إلى عزلة دولية متزايدة، ويخلق بيئة عدائية ضدها في المجتمعات الإسلامية. هذا المسار لا يمكن أن يستمر دون كلفة، والكلفة الكبرى ستكون خسارة القلوب والعقول في منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية وتأثيرا في العالم.

إذا كانت واشنطن تظن أن صمت بعض الحكومات العربية يمكن أن يخفي الغضب الشعبي، فهي واهمة. الشعوب تتابع، والذاكرة طويلة، وعاجلا أم آجلا، ستنعكس هذه السياسات في العلاقات والمواقف وحتى في الأمن القومي الأمريكي.

في نهاية المطاف، على أمريكا أن تسأل نفسها: هل ما تفعله إسرائيل باسم “الأمن” يحقق الأمن فعلا، أم يراكم الأحقاد ويغذي التطرف؟ وهل تريد أمريكا فعلا أن تعرف في التاريخ بأنها القوة التي مولت الوحشية وساهمت في معاناة الأبرياء؟

إن استمرار هذا النهج الأمريكي لا يقتصر على كونه خطأً استراتيجيا، بل يعد أيضا تجاهلا صارخا للقيم الإنسانية التي تدعي الولايات المتحدة أنها تدافع عنها. فكيف يمكن لدولة تقدم نفسها كمنارة للحرية والديمقراطية أن تبرر دعمها غير المشروط لدولة تنتهك حقوق الإنسان بشكل ممنهج؟ إن هذا التناقض لا يمر مرور الكرام، بل يسهم في تآكل صورة أمريكا عالميا، ويضعف قدرتها على قيادة العالم الحر.

وفي ظل هذا المشهد المتأزم، قد تتساءل الشعوب العربية والإسلامية: ما هي الخيارات المتاحة أمامها للتعامل مع هذه السياسات الأمريكية التي تستمر في تجاهل الحقوق الفلسطينية واحتياجات المنطقة؟ هل يمكن للمواقف الشعبية والضغط السياسي أن يحدث فرقا في القرارات الدولية؟ أم أن استراتيجيات جديدة يجب أن تتبنى لتحفيز تغييرات ملموسة؟

ربما تكون إحدى هذه الخيارات هي تعزيز الوحدة العربية والإسلامية، ليس فقط في الخطابات والشعارات، ولكن في مواقف سياسية واقتصادية موحدة يمكنها أن تفرض معادلات جديدة على القوى العالمية. فعندما تتحدث الشعوب والحكومات بصوت واحد، تصبح الرسالة أكثر وضوحا وتأثيرا، وتجبر الأطراف الدولية على أخذ المصالح المشتركة بعين الاعتبار.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن تفعيل دور الإعلام في نقل الحقائق وتوثيق الجرائم يمكن أن يسهم بشكل كبير في تغيير الرأي العام العالمي. فالعالم اليوم أصبح متصلا أكثر من أي وقت مضى، ووسائل الإعلام الرقمية توفر منصات واسعة لفضح الانتهاكات ونقل الحقيقة إلى الجماهير بشكل مباشر.

هذا لا يعني أن الطريق سيكون سهلا، بل يتطلب تنسيقا عاليا بين الحكومات والمنظمات والشعوب، ووضع استراتيجيات طويلة الأمد تتجاوز ردود الفعل المؤقتة. وفي النهاية، فإن النجاح في هذا المسار يعتمد على قوة الإرادة والوعي بأهمية المواقف المبدئية في صناعة التغيير.

هذه اللحظة قد تكون نقطة تحول إذا ما تم استغلالها بذكاء، لتحويل الغضب الشعبي إلى طاقة إيجابية تدفع نحو تحقيق العدالة والسلام في المنطقة.

بقلم : محمد سالم ولد المختار الشيخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى