فضيحة عقود الأشباح في شركة توزيع الأسماك!

ثلاثون رجلا يعملون منذ أكثر من عقد، لا يعرفون تصنيفهم، ولا يملكون عقدا، ولا يتمتعون بأي حق من حقوق الموظف، ومع ذلك أوصلوا الخير لكل بيت موريتاني.
في أعماق الشركة الموريتانية لتوزيع الأسماك، تتخفى واحدة من أغرب القصص الوظيفية في تاريخ مؤسسات الدولة.
ثلاثون سائقا خدموا الوطن بصمت، وشقوا طرقه الوعرة من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، ليضمنوا وصول مادة السمك بأسعار رمزية، في ظروف قاهرة.
لا شيء يربطهم بالشركة إلا الإخلاص.
عملوا في النهار وتابعوا الطريق في الليل.
قادوا الشاحنات في حر الصيف اللاهب، وفي زمهرير الشتاء البارد، تحت المطر، وفي زوابع الرمال.
أضاء القمر دروبهم حين غاب الضوء، ولم يضيئوا لحظة وجوههم بالشكوى.
لم يتذمروا، لم يضربوا، لم يتقاعسوا، لأنهم علموا أن من يوصلون السمك إليهم هم أهلهم، إخوتهم، وطنهم.
كان عملهم في الشركة يقتصر على قيادة الشاحنات الثقيلة، ولكنهم ما ترددوا يوما في قيادة الأصغر منها متى ما طلب منهم، حتى الشاحنات ثلاثية العجلات التي لا تليق لا بسنهم ولا بمقامهم، ولكنهم قبلوها بنفس الروح، روح الجندي.
هم ليسوا مجرد ناقلين لبضاعة، بل عمال إخلاص ومهنية وشرف، أوصلوا السمك إلى كل ركن من الوطن، من أعالي الشمال إلى أقاصي الشرق، ومن عمق العاصمة إلى أعماق الداخل.
وللأمانة، فهؤلاء العمال يعترفون بتقديرهم الكبير للإدارة الحالية التي لم تتأخر عن صرف رواتبهم في يوم من الأيام، وسعت دوما إلى توفير تعويضات سفر، وإضافات رمزية على المهام، خصوصا عند تحصيل الدخل من الحوانيت المعتمدة للشركة.
لكن كل ذلك لا يلغي حقيقة مرة: أنهم لا يملكون أي إطار قانوني يضمن لهم حقوقهم، ويثبت صفتهم، ويكفل لهم الحماية المستقبلية.
عندما صدرت الأوامر بتسوية أوضاع المتعاونين في مؤسسات الدولة، فرحوا.
قالوا أخيرا: لقد آن الإنصاف.
فهم الأقدم في الخدمة، والأكثر بذلا، والأحق بالإدماج.
تواصلوا مع إدارتهم، فوجدوا دعما معنويا، لكن دون نتيجة.
توجهوا إلى تطبيق “عين”، وعرضوا مظلمتهم، وبدأ التحقيق.
لكن الرد الذي وصلهم كان أقسى من السكوت:
أنتم تملكون عقودا سارية المفعول ولا خرق قانونيا في وضعيتكم!
فأين هذه العقود؟
من وقعها؟
ما هي حقوقهم فيها؟
وهل تم تفعيل الضمان الاجتماعي؟
هل لديهم ملف تقاعدي؟
هل يمكنهم رفع مظلمة قضائية إن فصلوا؟
لا شيء من هذا موجود.
منذ تأسيس الشركة سنة 2014، وهم يسافرون ليلا ونهارا، ويقودون كل أنواع الشاحنات، لكنهم لا يملكون سوى أسمائهم، ولا يحملون سوى شعورهم بالواجب.
ليسوا موظفين، ولا متعاونين، ولا حتى مؤقتين.
بل فئة لم تعرف الدولة بعد كيف تصنفها.
ملفهم الآن على طاولة التحقيق، وكلهم أمل في أن تنصفهم حكومة الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي، كما أنصفت زملاءهم في القطاعات الأخرى.
إنهم لا يطلبون منصبا ولا امتيازا، بل عقدا قانونيا ينصفهم، وسجلا يثبت خدمتهم، وحياة مهنية كريمة تليق بما قدموه من عطاء.
لكنهم يعلنونها بوضوح:
إن نصفوا، خرجوا في مسيرات تأييد، شاكرين الحكومة، رافعين صور الوفاء، فرحين بوطن لا يخذل أبناءه.
أما إن أُهملوا، فلن يسكتوا.
سيلجؤون إلى الإعلام النزيه، والمنصات الحرة، والمنظمات الحقوقية، والنقابات، وكل جهة تؤمن بأن من خدم وطنه يستحق أن يكرم لا أن ينسى.
لن يغلقوا الطرق،
لن يعطلوا الشاحنات،
لكنهم سيحكون حكايتهم، كما أوصلوا الأسماك، سيوصلون صوتهم.
إنها ليست قصة موظفين فقط، بل قصة شرف مهني، وإخلاص نادر، وعمال صنعوا مجد شركة وطنية دون أن تضع اسمهم على عقد.
ومن أوصل الخير للناس، ألا يستحق أن يوصله وطنه إلى حقوقه؟




