حين يتحول الوالدان إلى غرباء في حياة أبنائهم

في زمن تسارعت فيه الحياة، وكثرت فيه الانشغالات، بدأت بعض القيم تتراجع بصمت مؤلم، حتى صار بعض الآباء والأمهات يشعرون أنهم غرباء في بيوت أبنائهم، رغم أنهم كانوا يوما أصل الحكاية، وبداية الطريق، والسند الأول بعد الله.

ومن أشد ما يؤلم القلب أن يسمع الأب أو الأم بعض الأبناء وهم يختصرون مكانة والديهم في كلمة عابرة باردة، فيقال: “الشيبان”، وكأن العمر الطويل من التعب والتربية والرحمة اختزل في وصف جامد لا روح فيه. بينما تصبح كلمة “الأهل” محصورة في الزوجة والأبناء فقط، وكأن الوالدين خرجا من دائرة الانتماء والوفاء. أي جفاء هذا الذي يجعل الإنسان ينسى أن أول أهله هما أبوه وأمه؟

إن كثيرا من الآباء لا يريدون من أبنائهم مالا ولا هدايا ولا مظاهر اهتمام مصطنعة، بل يريد أحدهم فقط أن يرى أبناءه حوله، أن يسمع أصواتهم، وأن يشعر أنه ما زال حاضرا في قلوبهم كما كانوا يوما يسكنون قلبه كله.

فتراه يقول لابنه بلهجة الأب المشتاقة:

“يا ولدي، لك أيام ما مررت علي ولا رأيتك.”

لا يقولها عتابا قاسيا، بل شوقا وحنينا ولهفة أب أنهكته الأيام.

لكن بعض الأبناء ـ هداهم الله ـ يردون بعبارات جارحة تخلو من الرحمة:

“يا ابن الحلال أنا مشغول، عندي عمل وعندي أبناء، يعني ما عندي غيرك!”

وكأن وجود الوالد عبء، وكأن دقائق السؤال عنه خسارة من العمر، مع أن الأب نفسه هو من أفنى عمره كله من أجل راحة أبنائه دون أن يشعرهم يوما أنهم حمل ثقيل عليه.

ومن صور القسوة التي تتكرر أيضا أن يزور بعض الأبناء آباءهم وحدهم، دون زوجاتهم أو أبنائهم، فإذا سأل الجد أو الجدة بشوق عن الأحفاد، جاء الرد بحدة وجفاء:

“لا تسألني إلا عن نفسي، لا تسألني عن أحد غيري!”

يا الله…

أي قلب يستطيع أن يطفئ شوق الجدين إلى رؤية أحفادهما أو حتى سماع أخبارهم؟

إن الكبير في السن يفرح بأمور يراها غيره بسيطة؛ بصورة حفيد، أو صوت طفل، أو زيارة قصيرة تعيد للحياة دفئا افتقده.

ومن المواقف المؤلمة كذلك ما يحدث أحيانا بين بعض الأمهات وزوجات الأبناء. فالأم بطبيعتها تغار على ابنها، وقد تخطئ أحيانا في التعبير أو الموقف، كما أن بعض الزوجات قد لا يحسنّ التعامل مع أمهات أزواجهن، فتقع الجفوة وسوء الفهم.

وهنا ينتظر قلب الأم من ابنها حكمة وعدلا واحتواء، لا انحيازا أعمى ولا قسوة جارحة.

لكن الصدمة حين تشتكي الأم بحرقة مما آلمها، فيأتيها الرد قاسيا:

“أزعجتموني بزوجتي!

زوجتي فعلت، وزوجتي لم تفعل…

أنتم لا تحبونها فقط!”

فتسكت الأم، لا اقتناعا، بل انكسارا.

لأنها لم تكن تنتظر من ابنها أن يكون ضد زوجته، وإنما كانت تنتظر كلمة طيبة، أو تهدئة عادلة، أو شعورا بأن مكانتها في قلبه ما زالت محفوظة.

إن المشكلة ليست في كثرة الانشغال، ولا في مسؤوليات الحياة، فكل الناس لديهم أعمال وأسر وضغوط، لكن المشكلة الحقيقية حين تموت الرحمة في القلوب، ويصبح الوالدان آخر الاهتمامات بعد أن كانا أعظم الناس تضحية.

وليعلم كل ابن وابنة أن الأيام تدور، وأن الإنسان كما يرى والديه اليوم سيُرى غدا من أبنائه. فمن زرع الرحمة حصدها، ومن اعتاد القسوة والجفاء ربما تجرع مرارتها يوما.

فالوالدان لا يريدان المستحيل، وإنما يريدان القليل الذي يعني عندهما الكثير:

زيارة صادقة، سؤالا دافئا، كلمة حانية، وشيئا من الوفاء لمن سهرا الليالي وربيا وضحيا.

رحم الله القلوب الرحيمة، وأصلح ما قسا من النفوس، وجعلنا جميعا من البارين بآبائنا وأمهاتنا قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى