نور في أطراف الظلام

في وسط الأدغال الأفريقية وفي.عمق دولة غانا تحديداً، حيث تمتد الأرض على استحياء وتضيق بها الطرق الوعرة، كانت الرحلة تمضي على صبر ونية خالصة. الأخوين موفق و فاضل، لم يكونا في نزهة، بل في رحلة هادفة، رحلة تحمل رسالة، رسالة لا تُحمَل على الأكتاف بل على النوايا، ولا تُقاس بالأميال بل بما يُزرع في القلوب.

في صباح أحد الأيام، تحرك الأخوان صوب قرى نائية، نُسيت من وسائل الإعلام البشرية وتجاهلتها خرائط التنمية الإنسانية. كانت الطرق ترابية تئن تحت عجلات السيارات، حتى اضطرا إلى أن يشقّا السبيل على طريقتين: موفق امتطى “الدراجة النارية” أو كما يحلو لنا تسميته بالدباب، بينما تابع فاضل طريقه مع المشرف الغاني على سيارتهم الخاصة ذات الدفع الرباعي، يلفهم الغبار وتتقاسمهم المشقة.

التقا الأخوان بعد مشقة، واجها تعبًا لكن بقيت عينا كل منهما تتلألآن بالرضا. فما هان التعب إلا لأنهما شعرا أن الأقدام التي تقودها النوايا لا تضل، بل تهتدي رغم وعورة المسير.

وهناك، في قرية أخرى أبعد من أن تذكرها الخرائط، وصلو اليها قبل صلاة العصر وجدوا أهلها بلا كهرباء، بلا صوت للحياة عدا همسات الوجع والصبر. تحدّثوا، استمعوا للأهالي وهم يشكون معاناتهم” كأننا نعيش في الليل وإن طلعت الشمس… لا كهرباء، لا صوت، لا حياة’. فرد موفق وهو في قمة التأثر: لكن النور لا يُقاس بالمصابيح ، بل يبدأ من القلب. هنا تدخل فاضل وقال : سنتحدث إلى متبرع كريم… ولعل الله يسخّره لكم. وعلى الفور أخرج موفق الهاتف الجوال بعد أخذ الإذن من أخيه فاضل وهاتف المتبرع، فاستجاب ذلك المتبرع الكريم على الفور ، ووعد بمولد كهربائي يُعيد النور لأجساد أرهقها الظلام. تداخل المشرف وهو يجهش بالبكاء حاله حال بقية أفراد القرية فرحاً بذلك الخبر ، ثم قال : جزاكما الله خيرًا… وجزى الله ذلك المتبرع خير الجزاء، هذه القرية ستتذكركما وستذكر ذلك المتبرع أيضاً كما يتذكر القلب من أهداه النبض.

غادر الأخوان القرية بصحبة المشرف الغاني وفي طريق عودتهما نزل المطر، مطر غزير كأنه دعاء السماء، تبعه برق ورعد وظلمة لا يكسرها سوى نور يقينهم بالله. لم يصلوا إلى السكن إلا عند العاشرة مساءً، مطر يتصبب، وخوف يسكن في أطراف الظلمة، لكنه خوف لا يزاحم الطمأنينة، بل يجمّلها.

عشاء بسيط، نوم عميق، وصلاة فجر تنقّي الروح. وهناك، تحت سماء ما بعد المطر، كتب موفق رسالته… لا ليحكي عن معاناة، بل ليشهد أن لله عبادًا يزرعون الخير ثم ينامون مطمئنين، لأنهم يعلمون أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

بقلم:

مرزوق بن علي الزهراني

الأستاذ مرزوق الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى