عجلة الموت العبرية… متى تتوقف؟
أما ارتوت آلة الموت العبرية من دماء الفلسطينيين بعدُ؟! أما شبع الموت من أجساد الأطفال وصدور الأمهات؟! سنون تتوالى، وعجلة الفناء تدور دون كلل، تحصد الأرواح، وتلتهم الأجساد، وتعيد رسم الأرض بالحبر الأحمر، تحت مظلة صمتٍ دوليٍ مخزٍ، وبمباركة قوى الطغيان،
ما زالت الذاكرة تختزن مشهد محمد الدرة، ذاك الطفل الذي احتمى بذراع أبيه لا بجدار، فجاءت رصاصات الاحتلال لتقتل الرجاء، وتُسجل المشهد في الضمير الإنساني كوصمة عار لا تُغتفر. واليوم… تتكرر الحكاية، بل تتضاعف وحشيتها، في مشاهد لا تقل دموية ولا بؤسًا، حتى تجاوزت أرقام الضحايا كل وصف، واقتربت من ستين ألف قتيل، أُبيدوا عن سابق نية وتخطيط.
لم تكتفِ آلة الاحتلال بإطلاق النار، بل أضافت إلى ترسانتها سلاح التجويع، فصار الخبز حلمًا، والماء أمنية، والحياة ترفًا لا يُتاح إلا للموتى في السماء. إنها ليست حربًا تُخاض، بل مشروع إفناء يُنفذ، ومخططٌ لمحو الحياة من أرض الرسالات.
إسرائيل كذلك تعربد في الجغرافيا الأقليمية دون رادع، من غزة إلى بيروت، ومن دمشق إلى صنعاء، تزرع الخراب حيث حلّت، وتمزّق الأوطان حين تشاء، مستندة إلى تحالفات دوليةٍ تُلوّح بها متى أرادت.
في هذا المشهد المعقّد، لا ضحية سوى الإنسان… ولا صوت يعلو على أنين الحياة وهي تُذبح كل يوم.
وفي خضم هذا الألم، يتوارى ظل آخر لا يقل قسوة… يزيف الشعارات، ويرفع رايات التحرير الكاذبة. فماذا جلبت حماس، و حزب الله، و الحوثيون، و الحشد الشعبي، سوى الخراب؟! ادعوا المقاومة، فإذا بالصواريخ تنهمر على رؤوس الأطفال، وتُسفك الدماء باسم الانتصار المزعوم.
ومن خلفهم إيران، لا تبني مجدًا، بل تشعل نارًا لا تخبو، وتحرق بها حاضر الأمة ومستقبلها. فلسطين تنزف من خاصرتها، وتصرخ من عمق جراحها: “لا تذبحوني باسم الدفاع عني… لا تقتلوا من أجل نجاتي!”
لقد أخطأت حماس حين رهنت قرارها في يد الفُرس، فانقلبت النار على بيتها، فابتلعتها طهران في وضح النهار، وتركتها في مهبّ العزلة والخراب. لكن خطأ حماس لا يُبرر خذلان الشعب الفلسطيني، ولا يُجيز تركهم وحدهم تحت الأنقاض. فهؤلاء الأبرياء ليسوا أرقامًا، بل وجوهًا وأحلامًا وأرواحًا تستحق الحياة. نصرتهم واجبة، لا لأنهم منّا فقط، بل لأن إنسانيتنا تتطلب ذلك.
إن تقارير منظمات حقوق الإنسان لم تعد قادرة على تجميل الكارثة… فالصورة أبلغ من البيان. أطفال فلسطين باتوا يشتاقون إلى الموت أكثر من الحياة، لا هروبًا من الجحيم، بل شوقًا إلى الرغيف والدفء في الجنة. أحدهم قال: “هناك فقط، ربما نجد مأوى… وربما رغيفًا لا يُخطف من أفواهنا.” فأي عالمٍ هذا الذي يجعل الطفل يتمنى السماء، ويخشى الصباح؟ وأي ضميرٍ أممي ما زال يتشدق بالعدالة بينما الكفن غائب، والأنين حاضر؟
إنها نكبة أخلاقية قبل أن تكون جغرافية، صفعة للضمير العالمي، وانهيار لمعنى “الإنسان”. لقد أصبحت إسرائيل كيانًا مفوضًا بالقتل، مرخّصًا له بالبطش، تزرع الرعب كمن يزرع شجرة زيتون، ولا أحد يوقفها، ولا قوة تردعها. ويبقى السؤال المعلّق في رقبة العالم: متى تتوقف عجلة الموت العبرية؟ متى تُفك الأغلال عن يد الحق؟ متى يُكسر الصمت، وتستعيد العدالة صوتها، وتتكلم العروبة بلغة السيف بعد أن أُسكت لسانها بالشجب والخذلان؟
يا أمة الإسلام… كفى سباتًا! فقد آن للألم أن يتحوّل إلى فعل، وللدعاء أن يُترجم إلى مقاومة، وللغضب أن يشتعل صدقًا لا حنجرة. فلسطين لا تحتاج إلى مزيدٍ من المؤتمرات الباردة ولا القرارات المتأخرة، ولا التنديدات المستهلكة، بل تحتاج إلى وقفة صادقة تدعمها مواقف الرجال…فلسطين تحتاج إلى سواعد لا تخون، وإلى قلوب لا تخاف في الله لومة لائم.
أيها البشر، أيها الشجر، أيها الحجر… أما شعرتم بعدُ بمعاناة فلسطين وأهلها؟
أيها الناس، أيها العالم… إن بقيتم صامتين، فلن تسجّلكم كتب التاريخ كمتفرجين فقط، بل ستلعن صمتكم، وتدوّن أسماءكم شركاء في هذه الجرائم النكراء التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع من الجميع.
بقلم : مرزوق بن علي الزهراني




