فِدَاكَ الفُؤَادُ…
في زمن تتكسر فيه المعاني على أعتاب المصلحة، وتتهاوى الكلمات من علياء الصدق إلى هوّة المجاملة، تشرق علينا عبارةٌ من نور، وردت في صحيح البخاري، على لسان أحد عشاق النبي ﷺ، الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، حين قال لرسول الله ﷺ بعد أن عثرت ناقته في الطريق:
“يا نبي الله، جعلني الله فداك، هل أصابك من شيء؟”.
عبارة بسيطة في ظاهرها، عظيمة في مدلولها، تُسْكِتُ فوضى العبارات وتُحَيِّي فينا ما كدنا ننساه: أن هناك حبًّا ليس كغيره… حبًا يُفدي لا يُفاضل، يُقدّس لا يُساوم، يُؤمن لا يُجادل.
ذلك هو الحب الذي لا يولد من غريزة ولا يُغذى بمصلحة، بل يستمد جذوته من النور، من الوحي، من يقين أن المحبوب ليس بشرًا فحسب، بل رسولًا اختاره الله، فصار الحُب له عبادة، والفداء له شرفًا، والاهتمام بسلامته غريزة قلبية لا تُعلَّم.
إنها فلسفة المحبة الإيمانية… حيث لا يقف الحُب عند حدود العاطفة، بل يتحول إلى تضحية فعلية، إلى استعداد للفداء لا بالكلام، بل بالدم والعمر والروح.
وهذا ما قاله طلحة بلا تكلّف، في لحظة سقوط ناقة، لا سقوط جبل! فكيف لو رآه يتألم؟ كيف لو أصابه وجع؟
هو الحُب الذي لا ينتظر سببًا، بل هو السبب ذاته لوجود الروح في الجسد.
ثم يأتي الشعر، ليُجسد ذلك الفناء في صورة فنية، تنضح بالعاطفة وتعطرها بلغة التقديس:
“فَـدَيتُك بِالفُؤاد وَكُــلّ عُمري،
وَكُلّ الخَلقِ دُونَك يا إمامي.
وما في الخَلقِ أكرمَ مِنكَ عندي،
وما في الخلقِ مِثلكَ في المقام”
يا لجلال هذا البيان!
هنا يتحدث الحبيب بلغة العاشق العارف، الذي لم يعد يملك شيئًا يقدمه سوى قلبه، وعمره، ووجوده كلّه.
هو لا يقول “أحبك”، بل يتجاوزها إلى “فَدَيتُك”، لأنه لم يعد الحب كافيًا، فالمحب إذا لم يُضحّ، فهل هو محب حقًّا؟
وهنا تكمن البلاغة الفلسفية للحب النبوي: إنه حب يترفع عن الرغبة، ويُحلّق فوق هوى النفس، ليصير حُبًا مقدّسًا، يجمع بين الروح والعقيدة، بين العاطفة والعبادة.
نحن في زمن جفّت فيه القلوب، وذبلت فيه الكلمات، وأصبح الناس يُحبّون لمصالحهم، ويُعجبون بأنفسهم، ويبتعدون عن كل معنى فيه فناء الذات في خدمة الآخر.
لكن حين نقرأ قول طلحة، ونسمع صوت الشعر يردد “وما في الخلق مثلك في المقام”، يُدرك القلب أنه لم يمت بعد، وأنه ما زال في اللغة متسع للفداء، وفي النفس جذرٌ للحب الذي لا يشترط مقابلاً.
هنا الحب ليس رفاهية نفسية… بل شهادة قلبية بأن للمحبوب مقامًا لا يُدانى، ومكانة لا تُمسّ، وشأنًا في القلب لا يبلغه غيره.
أجل، فداك فؤادي يا نبي الله، ليس من فرط العاطفة، بل من تمام الإيمان، من صفاء المحبة، ومن يقينٍ أن من أحبّك فقد أحبّ الحق، ومن فداك فقد افتدى نفسه من الغرق في وحل الأنانية والهوى.
فلنُحيِ في قلوبنا تلك المحبة، لا كحكاية تُروى، بل كفعل يُعاش، وكلهفة تُستعاد كلّما سمعنا اسمك، يا من فداك الصحب بالأنفس، وفداك الشعراء بالأرواح.
بقلم :
مرزوق بن علي الزهراني




