حين يصير القريب أبعد من الغريب

ليست الخيبة في ذاتها ما يوجع، بل مصدرها.

فالطعنات التي تأتي من ظهور الغرباء لا تفاجئ القلب، ولا تثقل الروح إلا بمقدار ما تمليه طبيعة الحياة من قسوتها العابرة. لكن حين يأتي الجفاء من يدٍ اعتادت أن تربت، ومن فمٍ اعتاد أن يدعو لك، ومن عينٍ ظننت أنها لا تراك إلا بخير — فهناك فقط تولد الخيبة الكبرى.

إن في خذلان الأقارب شيئًا لا يشبه أي ألم آخر.

إنه ليس مجرد فقدٍ للدعم أو السند، بل فقدٌ لجزء من نفسك. فهؤلاء الذين وُلدوا معك على ذات الخريطة، وساروا على الطرق نفسها، وتشاركتم معهم الذاكرة واللهجة والمائدة — حين يغيبون في لحظة الحاجة، كأنك تفقد جذرًا، لا مجرد غصن.

الغريب، مهما بلغت محبته، يبقى طارئًا على الحكاية، لا يُحمّل بثقل التوقعات، ولا يُنتظر منه أكثر مما يعطي. أما القريب، فهو كائنٌ تخلقه الروح قبل الجسد، ولهذا فإن جفاءه لا يشبه الفقد، بل يشبه الخيانة الهادئة. الخيانة التي لا يعلنها أحد، لكنها تتلف في القلب ما لا تصلحه السنون.

وقد عبّر الشاعر عن هذا المعنى بدقة موجعة حين قال:

وقد تلقى الحفاوة من غريب

ويخذلك المؤمل والقريب

وما عجبي من الغرباء لكن

جفاء الأقربين هو الغريب

فالعجب لا يكمن في برودة الغريب، بل في برودة من كان من المفترض أن يكون دفئك. في بُعد من ظننته الأقرب. وهنا تتجلى المفارقة: أن يصبح البعيد مأوى، والقريب منفى.

وتأسيسًا على هذا الشعور، لا بد من أن نسأل: ما الذي يجعل جفاء الأقرباء مؤلمًا إلى هذا الحد؟

لعل السبب الأول هو التوقع. فنحن لا نبني جدران حماية ضد من نحب، ولا نرتدي أقنعة الحذر معهم. معهم نكون كما نحن، فحين ينكسر هذا الأمان، يكون الألم مضاعفًا.

أما السبب الآخر، فهو ما يحدثه هذا الجفاء من زلزلة في التصور العام للعلاقات. فحين يخذلك من كان أولى بالحنو، تختل لديك معايير الثقة في كل أحد.

ومع ذلك، فإن هذه التجارب القاسية، رغم مرارتها، تعيد تشكيل وعينا. فهي تعلّمنا التخفف من التعلق، وتحثنا على البحث عن الدفء الحقيقي لا في صلة الدم وحدها، بل في صدق النية، وصفاء القلب، وحرارة الموقف.

إن الصلات الحقيقية لا تقاس بالمكانة العائلية، بل بعمق الوقفة في اللحظة الصعبة.

هناك غرباء يمرّون على الحياة كالغيث، يروون عطشك الإنساني دون أن يطلبوا مقابلًا، وهناك أقارب يمرّون كالجدب، ينسون — أو يتناسَون — أنك ذات يوم شاركتهم الماء والملح والدم.

وفي النهاية، ربما لا تكون الحياة عادلة في توزيع المواقف، لكنها تمنحنا دروسًا لا تُنسى.

أن تكون لك القدرة على المسامحة دون أن تنسى، وعلى الحب دون أن تتعلق، وعلى المضي قدمًا دون مرارة — هذه هي البطولة التي لا تُدرّس في المدارس، ولا تُصفّق لها الجماهير.

وقدسلمنا أن جفاء الأقربين موجع.

لكنه لا يجب أن يطفئ نورك، ولا أن يجعلك تعيد تعريف نفسك بناءً على سلوكهم.

فثباتك بعدهم، هو الانتصار الحقيقي، والصوت الذي تقول به للعالم:

أنا لا أنتظر الدفء… بل أخلقه.

بقلم:  مرزوق بن علي الزهراني

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى