غزة تختنق… والموت جوعا صار مشهدا مألوفا في القرن الحادي والعشرين!

من كان يظن أن العالم في عام 2025 سيشاهد أطفالا تموت من الجوع، وأمهات تودع أبناءها وهم يتلوون من ألم البطون الخاوية، وكهولا يتهاوون كأوراق الخريف، لأن شريان الحياة في غزة قطع عمدا، وبدم بارد، على يد الاحتلال الصهيوني، وبرعاية مباشرة من شريكه الأول، الولايات المتحدة الأمريكية؟
إن الصور القادمة من غزة لم تعد تقرع جرس الإنذار فحسب، بل تمزق نياط القلب، وتغرس الخزي في جبين الإنسانية التي فقدت معناها، ودهستها المصالح والضغوط الأمريكية. أطفال بعمر الزهور يموتون وهم يطلبون لقمة، ليس بسبب كارثة طبيعية، بل بسبب قرار سياسي جائر اتخذته دولة احترفت الإجرام، وتلذذت بتعذيب شعب أعزل، ووجدت في واشنطن سندا لا يخجل، وشريكا لا يكل من تبرير الجرائم وتلميع القتلة.
أي عار هذا الذي نعيشه اليوم؟! وأي زمن نحيا فيه، حيث الموت جوعا لا يهز الضمائر، ولا يستفز الكراسي، ولا يحرك الحكومات؟!
إسرائيل لم تعد بحاجة إلى مزيد من الإثباتات لتؤكد أنها دولة همجية، لا تعرف من الحضارة إلا زخارف الكلام. دولة قامت على الإرهاب، ونشأت في حضن الدم، وتغذت على الحصار والقتل والمجازر. إنها ليست دولة تسعى إلى السلام، بل عصابة مسلحة تتقن فنون التدمير، ولا تعيش إلا على ركام البيوت، وصراخ الثكالى، ودموع اليتامى.
أما شريكتها في الجريمة، الولايات المتحدة الأمريكية، فقد وضعت كل أقنعتها في سلة القمامة. فهي لم تعد دولة تسعى إلى “الحرية” كما تزعم، بل أصبحت الحاضنة الكبرى لكل طاغية، والداعم الرسمي لكل آلة قتل، والمشرعن الأول لجرائم الاحتلال. أي تواطؤ أوضح من هذا؟! وأي سقوط أخلاقي أبشع من أن يمنع عن غزة الغذاء والدواء بحماية أمريكية مطلقة؟!
ومن العار أن يظل بيننا من يهرول نحو التطبيع مع هذه الدولة المارقة. من لا يزال يراهن على سلام مع من لا يعرف السلام، فهو أعمى بصيرة، بل خائن لقيم العدل والكرامة. إسرائيل ليست شريكا للسلام، بل كيان عدواني لا يفهم إلا لغة الردع. ومن أراد التعامل معها بمنطق العقلاء فعليه أن يفكر بعقلية صلاح الدين لا بجمل دبلوماسية باردة لا تسمن ولا تغني من جوع.
لقد آن الأوان لنفهم أن المجاعة في غزة ليست نتيجة ظرف عابر، بل سلاح فتاك تستخدمه إسرائيل ومعها أمريكا لإخضاع شعب أبي، وتجريبه تحت نار الحصار حتى يركع، ولن يركع بإذن الله. لكن رفع هذه المجاعة لا يتم عبر بيانات التنديد ولا عبر زيارات التضامن الفارغة. الحل الوحيد، والباب الذي يجب أن يطرق بكل قوة، هو مقاطعة الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا، ومواجهتها بندية، خاصة في ظل حكم هذا الأرعن الذي يقود البيت الأبيض اليوم، رجل لا يحترم حليفا ولا يخشى عدوا، مستعد لبيع كل شيء من أجل حفنة تأييد من اليمين اليهودي المتطرف، حتى لو كان الثمن هو ضميره أو مصالح شعبه.
يا شعوب الأمة، لا تكونوا شهود زور في زمن المجاعة… لا تتركوا غزة وحدها تموت، فقد سقطت الأقنعة، وانكشفت الوجوه، ولم يبق إلا أن نختار: إما أن نكون مع أهلنا في غزة، أو نكون مجرد أرقام على هامش الخيانة.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ





