الرشيد ولد الميداح.. حين يتحول الفن إلى مروءة والموهبة إلى رسالة

في خضم ما أثاره مقالي الأخير عن الشيخة العزة بنت الشيخ آياه، وما تضمنه من إشادة بدورها الإنساني والاجتماعي، وما تلاه من ردود وتعقيبات وصلتني خلال اليوم، وجدت نفسي أمام نقاش لم يكن في جوهره حول الأشخاص بقدر ما كان حول “طريقة الفهم” ذاتها. كيف يقرأ النص؟ وكيف يستقبل الرأي؟ وكيف يمكن أحيانا أن تتحول الإشارة إلى نموذج أو قيمة إلى مادة تأويل تخرج الكلام من سياقه، أو تدفعه إلى مساحات لم تكن مقصودة أصلا عند الكتابة؟

ومن بين تلك الردود، برز اعتراض واضح ومباشر على ما اعتبر تقديما للفنان الشاب الرشيد ولد محمد سالم ولد الميداح كنموذج داخل الساحة الفنية، مع الإشارة إلى أن أسرة “أهل الميداح” أسرة عريقة، تضم قامات فنية كبيرة سنا وخبرة، وأرسخ حضورا في الذاكرة الفنية الوطنية. وهو اعتراض في ظاهره يحمل حرصا على التوازن والإنصاف، لكنه في عمقه يفتح سؤالا أعمق وأكثر أهمية: هل الحديث عن نموذج فني أو إنساني يعني تلقائيا إقصاء غيره، أو التقليل من مكانته، أو إعادة ترتيب القيم داخل بنية تاريخية راسخة؟

هذا السؤال، في تقديري، ليس تفصيلا عابرا في النقاش، بل هو المفتاح الحقيقي لفهم الإشكال كله. فالمسألة لا تتعلق إطلاقا بمفاضلة بين أسماء، ولا بمحاولة رسم هرمية جديدة داخل أسرة فنية لها ثقلها التاريخي الكبير، وإنما تتعلق بمحاولة لالتقاط لحظة إنسانية وفنية محددة داخل واقع حي. فالقامات الكبيرة في أسرة أهل الميداح، والتي أسست لمدرسة فنية ذات حضور عميق في الوجدان الموريتاني، تبقى في مكانها الطبيعي بوصفها مرجعية راسخة، وذاكرة حية، وسقفا فنيا وثقافيا لا يمكن تجاوزه أو التقليل من قيمته في أي قراءة منصفة.

لكن، في المقابل، من المهم التمييز بين “المرجعية” و“النموذج”، لأن الخلط بينهما هو ما يخلق كثيرا من سوء الفهم. فالمرجعية تبنى عبر الزمن الطويل، وتتشكل من تراكم التجربة، وعمق الأثر، واتساع الحضور، وهي مكانة لا تنال بقرار، ولا تقاس بلحظة، ولا تختزل في موقف واحد مهما كان قويا. أما النموذج، فهو تجل لقيمة محددة في لحظة معينة، أو صورة حية لمعنى إنساني أو فني نريد إبرازه، مثل الكرم، أو التواضع، أو الحضور الاجتماعي المؤثر، أو الالتزام الأخلاقي في الفعل اليومي.

ومن هذا الباب تحديدا جاء الحديث عن الرشيد ولد الميداح، لا بوصفه بديلا عن أحد، ولا منافسا لأحد، ولا محاولة لإعادة تشكيل الهرم الفني داخل الأسرة العريقة، بل بوصفه حالة يمكن قراءتها في بعدها الإنساني والفني داخل المشهد العام. فحين يظهر شاب في سياق معين حاملا لقيمة يلاحظها الناس، فإن الإشارة إليه لا تعني أنه تجاوز من سبقه، بل تعني فقط أن هناك جانبا في تجربته يستحق أن يسلط عليه الضوء.

وعندما يذكر شاب في سياق “نموذج إيجابي”، فإن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن غيره أقل شأنا أو أضعف حضورا، بل يعني ببساطة أن هذا الشخص في هذه اللحظة تحديدا، وبحسب ما يتداول من سلوك ومواقف، لفت الانتباه إلى قيمة إنسانية تستحق الإبراز. وفي حالة الرشيد، فإن ما يعرف عنه من مواقف إنسانية، وتواصل اجتماعي، وتواضع في التعامل، ووقوف مع المحتاجين، ومؤازرة في لحظات الشدة، شكل هذا الحضور الذي استدعى الإشارة إليه بوصفه نموذجا لا أكثر.

ومن المهم في هذا السياق التأكيد بوضوح أن الحديث عن نموذج داخل أسرة فنية عريقة مثل “أهل الميداح” لا ينتقص إطلاقا من مكانة كبارها، ولا يضع أحدا في مواجهة أحد، ولا يعيد توزيع الأدوار داخل تاريخ فني طويل وممتد. بل على العكس تماما، يمكن قراءة هذا الحضور الجديد باعتباره امتدادا طبيعيا لذلك الإرث، لا قطيعة معه، ودليلا على أن المدرسة الفنية حين تكون حية، فإنها قادرة على إنتاج أجيال جديدة تحمل روحها، وإن اختلفت تعبيراتها وأساليبها.

إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في اختلاف التقديرات، بل في الميل أحيانا إلى تحويل أي إشارة إيجابية إلى مقارنة أو تنافس أو صراع رمزي، بينما المقاربة الأعمق والأكثر إنصافا هي أن نضع كل تجربة في سياقها الصحيح: الكبار بما صنعوه من تاريخ طويل ومؤسس، والشباب بما يقدمونه من ملامح الحاضر وتجلياته. وبين هذين المستويين لا يوجد صدام، بل يوجد امتداد طبيعي وسلسلة متصلة من المعنى والتجربة.

لقد كان هدفي، في المقال السابق، وما يزال في هذا التوضيح، هو تثبيت فكرة واحدة لا غير: أن الفن حين يلتقي بالقيم الإنسانية يتحول من مجرد أداء إلى أثر اجتماعي حي. وأن الفنان، أيّا كان موقعه، حين يكون قريبا من الناس، ومساندا لهم، ومعبرا عنهم في لحظات الفرح والاحتياج، يصبح جزءا من نسيج المجتمع لا مجرد صوت عابر فيه. وفي هذا الإطار، يصبح ذكر أي نموذج إيجابي محاولة لتسليط الضوء على قيمة إنسانية، لا لإعادة ترتيب المكانات أو إعادة توزيع الأدوار.

وفي النهاية، تبقى أسرة “أهل الميداح” بما تمثله من ثقل فني وتاريخي، أكبر من أن تختزل في قراءة ظرفية أو مقارنة عابرة. ويبقى الرشيد ولد الميداح، في هذا السياق، صوتا شابا داخل هذا الامتداد الكبير، يعكس جانبا من روحه، ويضيف إليه بعدا إنسانيا معاصرا. وبين الجذور العميقة التي أرست الأساس، والأغصان الجديدة التي تواصل الامتداد، يظل المشهد الفني الموريتاني قادرا على التجدد دون أن يفقد أصالته، وعلى التطور دون أن يتخلى عن ذاكرته.

محمد سالم المختار الشيخ/نواكشوط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى