حين يصبح البعد شفاء، والصمت كرامة، والعزلة جسراً نحو اتزان الروح

 

في زحام العلاقات، وتضارُب الأمزجة، وكثرة الضجيج الداخلي والخارجي، يصبح الابتعاد عن بعض الناس ليس تصرفًا أنانيًا، ولا سلوكًا متكبرًا،بل حقًا ثابتًا من حقوق النفس على صاحبها…حقًا يشبه الماء للظمآن، والنور لمن طال في نفق العتمة.

نعم، بعض الناس لا يضيفون لحياتك شيئًا سوى الغبار…كلّما اقتربت منهم، اختنقت، وكلما أطلت الحديث معهم، شعرت أن روحك تُستنزف قطعةً قطعة، كأنهم يسرقون منك صفاءك، ويسكبون في قلبك شيئًا من السواد غير المرئي.

إنهم لا يؤذونك صراحة،لكنهم يلوّنون يومك بلون الرماد،
كلامهم شكوى، نظرتهم انتقاد، حضورهم ضغط، لا يتقنون إلا بثّ الطاقات السلبية، وتوزيع القلق بالمجان.

وهنا، تأتي فلسفة النفس، التي لا تتحدث في كتبها عن الأرقام، بل عن اتزان الأرواح، وسكينة البال، وكرامة القلب.
إن النفس التي تُربّى على المجاملة الزائدة، والاحتمال اللامحدود، سرعان ما تُصبح هشّة، مشروخة، مثقوبة بطعنات يومية لا تُرى، لكنها تُوجع.

ليس من البطولة أن تتحمل كل أحد،ولا من الإحسان أن تفتح أبوابك لمن يقتحم مزاجك كسارق محترف،
وليس من الأخلاق أن تنسى نفسك لترضي من لا يُحسن حتى الصمت معك.

فلسفة الحياة تقول لك:
انسحب حين لا ترى جدوى، وابتعد حين يتعكر صفوك، واصمت حين يُسيء القرب إلى نقائك.
فأنت لست مسؤولًا عن إصلاح كل أحد،ولا مطالبًا بتحمُّل كل مزاجٍ مختلّ،ولا مكلفًا بأن تكون حطبًا في مدفأة الآخرين، فقط ليشعروا بالدفء.

من حقك أن تحبّ نفسك،أن تختار من يجلس إلى جوارك، ومن يتحدث إليك،من حقك أن تُحيط روحك بمن يُشبهونك في الذوق، في الفهم، في الصدق، في السلام.

إن أعظم ما تملكه ليس حسابك البنكي، ولا مكانتك الاجتماعية…بل سلامك الداخلي.
ذلك الهدوء النبيل الذي يهبط عليك آخر الليل، حين تتأكد أن لا أحد في حياتك يستنزفك، ولا صوت يعلو على صوت قلبك الهادئ الراضي.

ابتعد… نعم، ابتعد.
فالبُعد أحيانًا ليس جفاءً، بل نجاة.
والعزلة ليست تعقيدًا، بل ترف فكري، وراحة نفس،والمسافة ليست قطيعة، بل جسرٌ نحو الذات.

إن الاشخاص الذين يعكرون صفوك… لا يستحقون إن تستأذنهم حين تخرج من حياتهم، بل اخرج بهدوء دون إذن، كما يخرج النسيم من غرفة مغلقة، واتركهم خلفك يواجهون صخبهم وحدهم.

إن السلام لا يُشترى… لكنه يُحمى.
والمزاج الطيب ليس ترفًا… بل حياة.

بقلم :مرزوق بن علي الزهراني

 

بقلم : مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى