من أجل فلسطين وغيرها.. موريتانيا بحاجة إلى منصة وطنية للتبرعات على الطريقة السعودية

حين يتعلق الأمر بفلسطين، فإن الموريتانيين لا يحتاجون إلى من يختبر صدق مشاعرهم ولا عمق انحيازهم لقضيتها العادلة. فقد أثبت هذا الشعب، على مدى عقود، أنه حاضر في كل معركة ووجع وأزمة يعيشها الفلسطينيون، وأنه مستعد لأن يقتطع من قوت يومه دعما لإخوانه المحاصرين تحت القصف والجوع والحصار. لكن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي، والعواطف الجياشة وحدها لا تصنع عملا إنسانيا ناجحا، بل تحتاج إلى مؤسسات وآليات ورقابة وشفافية تضمن وصول الأموال إلى أصحابها الحقيقيين.
ومن هنا تبدو التجربة السعودية نموذجا جديرا بالدراسة والاستفادة. فالمملكة العربية السعودية لم تترك باب التبرعات مفتوحا لكل من أراد جمع الأموال باسم المآسي والقضايا الإنسانية، بل جعلت ذلك مسؤولية سيادية ووطنية تشرف عليها الدولة بشكل مباشر، حماية لأموال المتبرعين وحفظا لثقة المجتمع وضمانا لوصول المساعدات إلى مستحقيها.
لقد أدركت السعودية منذ سنوات أن العمل الخيري ليس مجرد جمع للأموال، بل منظومة متكاملة من الحوكمة والشفافية والمتابعة والمحاسبة. لذلك أصبح المواطن السعودي يعرف بدقة أين يتبرع، ولمن يتبرع، وكيف ستصرف أمواله، ومن الجهة التي ستتولى إيصالها. فهناك مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وهناك المنصات الرسمية المعتمدة، وهناك الجهات الحكومية المختصة التي تخضع لكل إجراءات الرقابة والتدقيق.
ولعل حملة إغاثة غزة التي أطلقتها السعودية في نوفمبر 2023 تقدم مثالا واضحا على هذا النهج المؤسسي الرصين. فقد أطلق مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية حملة شعبية واسعة لدعم الفلسطينيين في قطاع غزة، في ظل الظروف الإنسانية الكارثية التي عاشها القطاع. ولم تكن الحملة مجرد دعوة عاطفية للتبرع، بل جاءت تحت إشراف رسمي مباشر، وبآليات واضحة ومعلنة للجميع.
وفي مشهد يعكس ثقافة القدوة والمسؤولية، تبرع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود بثلاثين مليون ريال للحملة، فيما تبرع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بعشرين مليون ريال. وبعد ذلك شارك الأمراء والوزراء والموظفون وطلاب المدارس ورجال الأعمال وعموم المواطنين، كل بحسب استطاعته وقدرته. وخلال فترة وجيزة تجاوزت التبرعات 125 مليون ريال عبر منصة رسمية واحدة، وشارك فيها أكثر من مائتي ألف متبرع.
هذه هي الصورة الطبيعية للعمل الإنساني في الدول الحديثة: الدولة تقود، والمؤسسات تشرف، والشعب يشارك، والنتائج تكون واضحة وموثقة وقابلة للتدقيق. فلا مجال للارتجال، ولا مكان للغموض، ولا فرصة للمتاجرة بآلام الشعوب المنكوبة.
أما ترك التبرعات تجمع خارج الأطر الرسمية ودون رقابة مؤسسية صارمة، فهو أمر يحمل مخاطر كبيرة مهما كانت النوايا حسنة. فالعالم اليوم تغير كثيرا، ولم يعد يقبل أن تنتقل ملايين الأموال من يد إلى يد دون تتبع ومحاسبة ومعرفة دقيقة بمصيرها النهائي. ذلك أن الأموال غير الخاضعة للرقابة قد تتحول إلى بوابة تستغلها جماعات متطرفة أو شبكات احتيال أو مافيات مالية أو أفراد يبحثون عن الثراء السريع تحت غطاء العمل الخيري.
ولهذا السبب لم تعد الدول الجادة تترك العمل الإنساني لمن هب ودب، لأن زمن الفوضى في جمع التبرعات قد ولى وانقضى. وأصبح من حق المتبرع أن يعرف الجهة التي تستلم أمواله، ومن حقه أن يعرف أين ذهبت تلك الأموال، ومن حقه أن يحصل على إجابة واضحة وموثقة عن كل أوقية دفعها من أجل قضية يؤمن بها.
وفي موريتانيا يزداد هذا الحديث أهمية في ظل الجدل الواسع الذي أثير حول التبرعات الشعبية التي جمعت لصالح أهل غزة خلال الأشهر الماضية، والتي تحدث كثيرون عن أنها بلغت مليارات من الأوقية، ساهم فيها الجميع بلا استثناء؛ القبائل والعائلات، الطلاب والتجار، الرجال والنساء، وحتى الأطفال الذين تبرع بعضهم بما يملكه من مصروف يومي دعما لإخوانهم في فلسطين.
غير أن هذه التبرعات أصبحت اليوم محاطة بعلامات استفهام كبيرة، خصوصا بعد التصريحات التي أدلى بها سفير فلسطين في موريتانيا السيد بشير أبو حطب، والتي أكد فيها استحالة وصول تلك الأموال إلى قطاع غزة بصورة مباشرة، وأن أي تحويل مالي من هذا النوع لا بد أن يمر عبر البنوك العاملة في الضفة الغربية، وهو ما يتطلب إجراءات مصرفية وإدارية معقدة وطويلة، مؤكداً أن ذلك المسار لم يحدث أصلا.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه آلاف الموريتانيين اليوم: إذا كانت الأموال لم تصل إلى غزة، وإذا كانت الآلية التي يفترض أن تنقلها لم تستخدم، فأين ذهبت إذن تلك التبرعات؟ ومن الجهة التي تسلمتها؟ وكيف تم التصرف فيها؟ وهل توجد تقارير مالية موثقة تشرح للرأي العام مسار هذه الأموال منذ لحظة جمعها وحتى اليوم؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني التشكيك في أحد، ولا الانتقاص من أي جهة، بل هو حق طبيعي للمتبرعين وواجب أخلاقي تجاه المجتمع. فالأموال التي جمعت لم تكن ملكا لأشخاص أو هيئات، وإنما كانت أموال شعب كامل دفعها بثقة وإخلاص من أجل هدف إنساني نبيل، ومن حق هذا الشعب أن يعرف مصيرها.
ولو كانت موريتانيا تعتمد نموذجا مشابها للنموذج السعودي، لما وجد الناس أنفسهم أمام هذه الحيرة، ولما تحولت القضية إلى مادة للجدل والاتهامات والتساؤلات. فوجود منصة رسمية وطنية للتبرعات، تخضع لإشراف الدولة وأجهزتها الرقابية والمالية، كان سيضمن جمع الأموال بشفافية كاملة، وإعلان حجمها الحقيقي، وتحديد طرق تحويلها، ونشر التقارير المتعلقة بمصيرها أولا بأول.
إن الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه اليوم ليس فقط معرفة مصير تبرعات غزة، بل بناء منظومة وطنية تمنع تكرار مثل هذا الجدل مستقبلا. فالقضايا الإنسانية أكبر من الأشخاص، وأسمى من الحسابات الضيقة، وأموال المتبرعين أمانة لا يجوز أن تبقى معلقة بين الشائعات والصمت.
موريتانيا التي عرفت دائما بكرمها ونصرتها للمظلومين تستحق نظاما عصريا وشفافا للتبرعات، يحفظ ثقة الناس ويصون أموالهم ويضمن وصولها إلى مستحقيها. وعندما يحدث ذلك، سيبقى الموريتانيون كما كانوا دائما في مقدمة الداعمين لفلسطين، لكنهم سيكونون أكثر اطمئنانا إلى أن ما يقدمونه يصل فعلا إلى من يحتاجه، لا أن يضيع في متاهات الغموض والأسئلة التي لا تجد جوابا.
محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا




