هل العواء صفة تُورَّث أم ثقافة تُربّى؟

مات الكلب.
نعم، كلب القرية الشهير. ذاك الذي اعتادت البيوت على سماع نباحه أكثر من أعتيادها على سماع صوت المؤذن، لا لفضله بل لشدة إزعاجه.
فرح الناس، تنفسوا الصعداء، أقاموا احتفالات خافتة على شرف الصمت، وكتب أحدهم على جدار الطين:
“انتهى عهد العواء…”
لكن، كما تقول الأساطير الرديئة: لا تفرح مبكرًا.
ففي لحظة درامية لا تخلو من حبكة رخيصة، ترك لنا الكلب الراحل خلفه جروًا…
ولأن المصائب قلّما تأتي فرادى، فقد جاء الجرو أكثر ثقة، أقل أدبًا، وأعلى صوتًا من أبيه النافق.
وكأن الجينات الشريرة أرادت أن تُثبت تطوّرها أمام داروين، وتُعلن:
جيل جديد… بنفس الرسالة، مع عواء مُحدَّث!
وقد لخّص أحد الشعراء هذه الفاجعة الجينية ببراعة حين قال:
“مات في القرية كلبٌ فاستراحوا من عُواهْ
خلّف الملعونُ جَرْوًا فاقَ في القُبحِ أباهْ”
يا سبحان الله… كأننا أمام حالة تسليم واستلام! ” من الرقيب السلف إلى الرقيب الخلف”
الكلب الأب رحل مطمئنًا أن الجرو لن يخيّب ظنّه، بل سيواصل المسيرة الوقحة بشغفٍ منقطع النظير، وربما يحصل لاحقًا على شهادة الدكتوراة الفخرية من نقابة “أبناء الأذى”.
التزم الجرو بالعهد، فهو يسير على خُطى السوء، بل قد يتجاوزها بشغف الباحث، وبطموح من يرغب في أن تُكتب له سيرة ذاتية في موسوعة “سلالة الأذى”.
وهنا، لا يسعنا إلا أن نستعيد قول حكيم “الديرة”، الشيخ الداهية“مبارك ”، يوم أن انفجر غضبًا بعدما أخرجه “أبو العيدات” عن طوره فقال عبارته المشهورة:
“ما عهدناها منك يا عيد… لكنها العروق تتناشط!”
فالكلمة باللهجة العفوية حملت في طيّاتها حكمة جينية: بعض السلوكيات ليست مكتسبة، بل تُولد مع الدم، تنبض في الشرايين، تنتظر ظرفًا لتخرج، كأنها توقيعٌ قديم في وثيقة نسب مظلمة.
ونستطيع القول هنا بإن المشكلة ليست في الجرو فقط، بل إن المشكلة الحقيقة تكمن في القرية… أقصد في تلك الأرواح التي تتناسى، أو تتصالح، أو تُربّت على كتف العواء الجديد قائلة:
“ما عليه… صغير ويتعلم!”
والواقع أنه “يتعلم فعلاً”… لكن من تلك المؤلفات التي قام بإعدادها والده، وقرأتها القرية، ثم نامت عليها!
وفي زاوية أخرى، لا تخلو من الطرافة السوداء، لوحظ أن الجرو لم يكن ينبح كأبيه، بل كان يصدر أصواتًا عصرية: نباح مع تأثيرات صوتية، فيها قليل من “الدي جي” وكثير من الوقاحة، كأننا أمام بودكاست العواء المفتوح!
بل وتقول العجائز في مجالسهن: “الله يرحم أيام كلبنا الأول… كان أهون من الولد شوية!”
يا للهول! لقد أصبح الكلب السابق “ذكرى جميلة”!
واأسياً على ما سبق ، تذكّروا:
إن العواء ليس وراثيًا فقط… بل مدعوم اجتماعيًا، ومروج له إعلاميًا، ومقبول بحجة أن الصوت العالي “ثقة”!
لكن في الحقيقة، هو فقط… ضجيجٌ بائس بلُغةٍ موروثة.
بقلم: مرزوق بن علي الزهراني




