مجلس الأمن رهينة أمريكا… فهل من جدوى لبقائه؟

في عالم تتعاظم فيه أزمات الإنسانية وتنهار فيه قيم العدالة والشرعية الدولية، يبدو مجلس الأمن الدولي ـ الذي أُنشئ لحفظ السلم والأمن الدوليين ـ كهيكل أجوف، يتهاوى تحت وطأة الهيمنة الأمريكية والانحياز الفاضح لكيان استيطاني دموي يدعى “إسرائيل”. أصبح هذا المجلس، الذي يفترض أنه حصن القانون الدولي، رهينة بلطجة دولة عظمى لا تتورع عن ابتزاز العالم باسم “الفيتو”، لا لشيء إلا لحماية مشروع استعماري مريض قائم على الاغتصاب والقتل وتهجير الأبرياء.
البلطجة الأمريكية.. والتواطؤ المكشوف
لم يعد خافيا على أحد أن الولايات المتحدة تستخدم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن كدرع سياسي لإسرائيل، تدافع بها عن جرائمها مهما بلغت بشاعتها، وتمنع صدور أي قرار يمكن أن يحاسب هذا الكيان على خروقاته المتكررة للقانون الدولي. جرائم الحرب في غزة، تهويد القدس، انتهاك قرارات الأمم المتحدة، استهداف مرافق إنسانية وطبية، كلها تمر مرور الكرام بفضل “الفيتو” الأمريكي، الذي أصبح سلاحا دبلوماسيا لحماية “المدللة” مهما فعلت، ومهما كان الثمن من أرواح الأبرياء وخراب الأوطان.
هل بقي للمجلس مصداقية؟
ما يحدث اليوم من صمت دولي مطبق على المجازر الإسرائيلية، بل من تواطؤ واضح في تعطيل القرارات الدولية العادلة، يفقد مجلس الأمن أي مشروعية أخلاقية أو قانونية. فكيف يمكن لمؤسسة تزعم الدفاع عن السلم العالمي أن تقف عاجزة، بل متواطئة، أمام أفظع الجرائم ضد الإنسانية؟ وكيف لشعوب العالم المقهورة أن تثق في “شرعية دولية” تكمم أفواه الحق وتطلق يد الباطل؟ إن ما نراه هو انقلاب على أهداف الأمم المتحدة نفسها، واستخدام مشين لمؤسساتها كأدوات لبسط الهيمنة لا لفرض العدالة.
إسرائيل والوقاحة فوق القانون
لم تسلم حتى محكمة العدل الدولية من السخرية والاستهزاء الإسرائيلي ـ المدعوم أمريكيا ـ رغم أنها أعلى سلطة قضائية دولية. وها هي إسرائيل تواصل غطرستها بتحدي قرارات المحكمة، دون أدنى اكتراث بالقانون الدولي أو المواثيق الأممية. والأدهى من ذلك أن أمريكا نفسها، التي تزعم أنها “زعيمة العالم الحر”، تكافئ هذا التمرد لا بمعاقبة الجاني، بل بدعمه سياسيا وعسكريا وماليا، بل وتهاجم المؤسسات الدولية حين تبدي جرأة على قول كلمة حق!
نحو نظام عالمي بديل
في ظل هذا الانحدار، لم يعد من المجدي البكاء على ما يسمى بـ”الشرعية الدولية” وهي تدهس بأقدام المصالح الأمريكية. بل إن العالم، وخاصة شعوبه المستضعفة، أصبح مدعوا لإعادة النظر جذريا في هذه المنظومة المختلة. فربما آن الأوان للبحث عن بديل حقيقي، هيئة دولية جديدة تعيد الاعتبار للعدالة وتلغي امتيازات الإجرام المقنن، وتقصي الدول المارقة التي جعلت من “الفيتو” أداة لتسويق الظلم وتبييض جرائم الحرب.
في الختام
لقد أصبح مجلس الأمن عارا على مفهوم العدالة الدولية، مثلما أصبحت أمريكا عارا على القيم التي تدعي تمثيلها من ديمقراطية وحقوق إنسان واحترام للقانون. السؤال الجوهري اليوم لم يعد: “متى ينتهي هذا الانصياع؟” بل: “كم من الدماء يجب أن تراق قبل أن تستيقظ ضمائر العالم لتعيد تصحيح المسار؟”
وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى الصمت تواطؤا، والبقاء داخل هذه المنظومة الدولية المنهارة خيانة لكل القيم التي ننادي بها.
محمد سالم المختار الشيخ




