العجوز الشمطاء فايس.. حين ينطق لسان المستوطنين بحقيقة المشروع الصهيوني

لم يعد تصريح العجوز الشمطاء دانييلا فايس، زعيمة المستوطنين المتطرفة، مجرد زلة لسان عابرة أو انفعال لحظي يمكن تجاوزه، بل هو في حقيقته شهادة فاضحة على جوهر العقيدة الصهيونية الاستيطانية منذ نشأة هذا الكيان الغاصب وحتى يومنا هذا. حين وقفت هذه المرأة وهي تتبجح بوقاحة قائلة: “لا نريد السلام، بل نريد إسرائيل الكبرى، سنستوطن القطاع ولبنان وأرض الميعاد”، فإنها لم تكن تتحدث عن رأيها الشخصي، بل كانت تنطق بلسان الحركة الصهيونية كلها، بما تحمله من أحلام توسعية وأوهام دينية مشبعة بالدم والدمار.

هذا التصريح وحده يكفي لهدم كل الأساطير التي حاول المطبعون والسذج نسجها حول “السلام” المزعوم مع الصهاينة. فكيف يكون هناك سلام مع قوم يعلنون على رؤوس الأشهاد أنهم لا يريدونه أصلا؟ وكيف يمكن الركون إلى اتفاق مع جماعة تعيش على الدم والاغتصاب والتهجير وترى في استمرار سفك الدماء شرطا لبقائها؟ إن فايس لم تأت بجديد، بل عبرت عن عقيدة راسخة في الوجدان الصهيوني، عقيدة ترى الأرض كلها مسرحا مفتوحا للاستيطان والنهب، وترى العرب جميعا عقبة يجب اقتلاعها من جذورها.

ومن يعرف سيرة فايس يدرك أنها لم تكن يوما شخصية هامشية أو عابرة في المشهد الصهيوني، بل هي واحدة من أعمدة المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية منذ سبعينات القرن الماضي. قادت تنظيمات متطرفة من المستوطنين، وأشرفت على حملات متكررة لمصادرة الأراضي الفلسطينية بالقوة، وكانت وراء تأسيس العديد من البؤر العشوائية التي تحولت مع الزمن إلى مستوطنات كبرى تلتهم الأرض وتخنق الفلسطينيين في قراهم. لم تكتف فايس بهذا الدور العملي، بل جعلت من خطابها العلني منبرا للتحريض والكراهية، تربي من خلاله أجيالا كاملة من المستوطنين على اعتبار الفلسطيني “عدوا وجوديا” لا يجوز التعايش معه، بل يجب طرده أو سحقه. إنها باختصار تجسيد حي للحقد الأسود المتأصل في الفكر الصهيوني، ووجه من وجوه النازية الجديدة التي ترتدي قناع “الدين” زورا وبهتانا لتشرعن القتل والنهب.

وما يزيد الأمر خطورة أن فايس ليست استثناء ولا شذوذا عن القاعدة، بل هي حلقة من سلسلة طويلة من المتطرفين الذين يقودون المشهد السياسي والعسكري والديني في الكيان، جميعهم يرددون نفس الخطاب الدموي، يباركون القتل الجماعي، ويدعون إلى محو القرى والمدن العربية من الوجود، ويمنحون الغطاء الديني والسياسي لمجازر يومية ترتكب في غزة والضفة وسائر فلسطين المحتلة. ومن يستعرض أقوال قادتهم وحاخاماتهم يدرك أنه أمام جوقة كاملة من النازيين الجدد الذين لا يرون في العالم سوى عدو يجب سحقه لتبقى “إسرائيل الكبرى” خرافة ماثلة في أذهانهم.

إن ما تقوله فايس اليوم ليس انحرافا فكريا عابرا، وإنما هو التعبير الأصدق عن جوهر المشروع الصهيوني منذ وعد بلفور وحتى اليوم. هذا المشروع لم يكن يوما مشروع دولة طبيعية بحدود معترف بها، بل كان دائما مشروعا توسعيا استعماريا، يمد بصره إلى ما وراء فلسطين ليشمل لبنان وسوريا والأردن ومصر وسائر المنطقة العربية، وكأن الأرض كلها مباحة للنهب والسلب تحت شعار “أرض الميعاد”. من هنا فإن أمثال فايس ليسوا مجرد خصوم سياسيين يمكن مجادلتهم أو التحاور معهم، بل هم سرطان متفش يهدد وجود الأمة كلها، وفيروس قاتل إذا ترك دون مقاومة فلن يتوقف حتى يقضي على جسدها بأكمله.

ولعل الخطر الأكبر الذي يمثله هذا الصنف من المستوطنين المتطرفين هو أنهم يغرسون هذه العقيدة الاستيطانية العنصرية في أجيال جديدة من الصهاينة، فيتحول الأطفال إلى أدوات قتل، والناشئة إلى مشاريع مجرمين، والتاريخ إلى مسرح دموي يعاد إنتاجه جيلا بعد جيل. إنها دورة جهنمية من الكراهية والدمار لن تتوقف إلا إذا أدرك العرب والمسلمون أن “السلام” مع هؤلاء ليس سوى وهم كبير وخدعة قاتلة، وأن الطريق الوحيد لحماية الأرض والعرض هو الصمود والمقاومة وعدم الانخداع بأوهام المفاوضات العبثية.

إن أمثال دانييلا فايس أخطر على المنطقة من أي سلاح فتاك، لأنهم يملكون القدرة على تسميم العقول وزرع ثقافة الإبادة في أجيال كاملة، وهم أشد فتكا من القنابل والصواريخ، لأن خطرهم يتجاوز حدود المعركة المباشرة ليمتد إلى المستقبل ذاته. وما لم تع الأمة أن مواجهة مشروع فايس ومن على شاكلتها فرض عين وواجب بقاء، فإنها ستظل تدفع أثمانا باهظة من دماء أبنائها وأرضها ومستقبلها. إن تصريح فايس لم يكن مجرد كلام عابر، بل هو ناقوس خطر يدق في وجه كل من لا يزال يراهن على سراب اسمه “السلام”، وهو تذكرة قاسية بأن العدو الصهيوني لا يعرف لغة غير لغة القوة، ولا يؤمن إلا بمنطق الاستيطان والتوسع والإبادة.

بقلم : محمد سالم المختار الشيخ

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى