المعلم بين المكانة السامقة…والقيمة الضائعة

أيها المعلمون: أنتم نور الدنيا وضياؤها، وأنتم دفئها وسكينتها، وأنتم عافيتها ودواؤها، أنتم أقمار تنير ظلام الليالي، وشموس تجعل النهار نهارًا.

لُعِنَت الدنيا وما فيها ونجيتم أنتم ومن تُعلِّمون من لعنتها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالمًا، أو متعلمًا” (ابن ماجه).

وإن لك مثل أجر كل طالب علَّمته فعمل بما علَّمته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا” (مسلم). وبتعليمك الصبيان العلم تمنع عنا عذاب الله؛ يقول ثابت بن عجلان الأنصاري: “كان يقال: إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم الصبيان الحكمة صرف ذلك عنهم”، قال مروان يعني بالحكمة القرآن (سنن الدارمي).

المعلم له حقٌّ كبيرٌ على تلاميذه، فله فضل كبير – بعد الله عز وجل – في تعليمهم العلم والأخذ بأيديهم إلى طريق المعرفة، وسلوك سبيل النجاة، ومن هنا كان الواجب رعاية حق ‌المعلم؛ بتقديره وتبجيله، ومراعاة حقوقه، وهذا من صميم العلم وحسن الأدب وسمو النفس.

ترى المعلم النشيط ذا الوجدان الطاهر يلقي دروسه على طلابه من الصباح إلى المساء، باذلا من الجهد ما يضنى جسمه، مجرباً كل الوسائل الممكنة لإفهام الطلاب، وتنشئتهم تنشئة صالحة قويمة.

فهو يقوم بعملين هما التأديب والتعليم، ومن هنا دعي أيضا بالمؤدب، لأن الأدب يعني الخلق، كما يعني رواية العلم.

إن الحديث عن المعلمين ذو شجون؛ فلهم هموم وشؤون، ولهم آمال وآلام، وعليهم واجبات وتبعات.

عمل المعلم في المدارس جهود جبارة، دروس تُحضّر، وحصص تُدرّس، وكراسات تصحّح، ثم أعمال إدارية أو كتابية، وبعد كل هذا العناء الذي يبذلهُ ليل نهار، يجد المعلم قدره كان وما يزال دون قدر الموظفين الآخرين.

يقول أبو زيد البلخي في رسالة كتبها إلى من عيرّه بأنه معلم: «ليس يستغني عن التعلم والتعليم أحد لأن الخاصة والعامة تضطر إليهما في جميع الديانات والصناعات والآداب والأنساب والمكاسب والمذاهب، فما يستغني كاتب ولا حاسب ولا صانع ولا بائع ولا أحد في كل مذهب ومكسب أن يتعلم صناعة ممن هو أعلم منه ويعلّم من هو أجهل منه، وقوام الخلق بالتعلم والتعليم. فالمعلم أفضل من المتعلم لأن صفة المعلم دالة على التمام والإفادة، وصفة المتعلم دالة على النقصان والاستفادة، وحسبك جهلا من رجل يذم ما وصف به الخالق نفسه ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أليس قد قال الله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها)، وقال: (وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً)، وقال: (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ)،

وقال في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ).

ويقول أبو عثمان عمرو بن بحر الشهير بالجاحظ (ت ٢٥٥هـ) في كتابه: الرسائل الأدبية:

وقالوا: ” … إنما اشتق اسم المعلم من العلم، واسم المؤدب من الأدب “. وقد علمنا أن العلم هو الأصل، والأدب هو الفرع، وليس علينا لأحد في ذلك من المنّة بعد الله الذي اخترع ذلك لنا ودلّنا عليه، وأخذ بنواصينا إليه، ما للمعلمين الذين سخّرهم لنا، ووصل حاجتهم إلى ما في أيدينا…).

وقيل: لا يستخف أحد بمن تعلم منه علما إلا وضيع خامل أو رفيع جاهل.

إِنَّ الْمُعَلِّمَ وَالطَّبِيبَ كِلَاهُمَا *** لَا يَنْصَحَانِ إِذَا هُمَا لَمْ يُكْرَمَا

فَاصْبِرْ لِدَائِكَ إِنْ أَهَنْتَ طَبِيبَهُ *** وَاصْبِرْ لِجَهْلِك إِنْ جَفَوْتَ مُعَلِّمَا

أنشد الماوردي:

يا فاخرا للسّفاه بالسّلف *** وتاركا للعلاء والشرف

آباء أجسادنا هم سبب *** لأن جعلنا عوارض التلف

من علّم الناس كان خير أب *** ذاك أبو الروح لا أبو النّطف

وقيل للإسكندر: ما بال تعظيمك لمعلمك أشدّ من تعظيمك لوالدك؟ فقال: إن أبي سبب حياتي الفانية، ومعلمي سبب حياتي الباقية.

يقول أحمد شوقي:

قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا *** كَادَ المُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَا

أَعَلِمْتَ أَشْرَفَ وَأَجَلَّ مِنَ الذِي *** يَبْنِي وَيُنْشِئُ أَنْفُسًا وَعُقُولَا؟.

يقول طاوس -رحمه الله-: “من السنة أن يوقر أربعة: المعلم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد” فمن لم يفعل ذلك فليس من أمتنا؛ عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه” (أحمد).

ولما حُجِب المعلِّم العتابي على باب المأمون، وكان مؤدبه، فكتب إليه:

إن حق التأديب حق الأبوة *** عنه أهل الحجاز أهل المروة

وأحق الأنام أن يحفـظـوها *** ويعــوها لأهـل بــيــت النبوة

فدعا به وأحسن صلته، وآلى على الحاجب ألا يعاود حجبه وزبره.

وفي الجملة: فإننا نقول إن حق المعلم على طلابه أعظم من حق آبائهم وأمهاتهم عليهم، يؤيد ذلك الإمام الغزالي إذ يقول: “… ولذلك صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين؛ فإن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، والمعلم سبب الحياة الباقية، ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم”)، ولما قيل لبرزجمهر: ما بال تعظيمك لمعلمك أشد من تعظيمك لأبيك؟ أجاب: “لأن أبي كان سبب حياتي الفانية، ومعلمي سبب حياتي الباقية”

يقول الشاعر:

أقدِّم أستاذي على نفس والــدي *** وإن نالني من والدي الفضل والشرف

فذاك مربي الروح والروح جــوهـر *** وهـذا مربي الجسم والجسم من صدف

فما طريق المعلمين ومهمتهم بيسيرة؛ فلقد تحملوا الأمانة وهي ثقيلة، واستحقوا الإرث وهو ذو تبعات، وينتظر منهم ما ينتظره المدلج في الظلام من تباشير الصبح؛ فإن الأمة ترجوا أن يبنى بهم جيل قوي الأساس، شديد العزائم، سديد الآراء، متين العلم، متماسك الأجزاء.

إن المعلمين هم حماة الثُّغور، ومربوا الأجيال، وسُقَاة الغرس، وعمَّار المدارس، المستحقون لأجر الجهاد، وشكر العباد، والثواب من الله يوم المعاد.

إسحاق بن موسى بن الشيخ سيدي

إسحاق بن موسى بن الشيخ سيدي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى