هل نضيع أعمارنا في محاكمة الآخرين أم نملأها بصفاء القلوب؟
في حياة البشر نزعة دفينة إلى الوقوف عند كل محطة، وإلى تحويل كل كلمة عابرة إلى قضية، وكل موقف إلى معركة. نزعة يظن صاحبها أنه يحمي ذاته أو يثبت موقفه، لكنه في الحقيقة يستهلك طاقته على تفاصيل لا تستحق، ويُثقل روحه بما لا يضيف إليها إلا قلقاً وتعباً.
وأول ما يعلّمنا إياه الهدي النبوي أن ندع الخلق للخالق، وألا نحاسب الناس على ما في قلوبهم، فذلك شأن الله وحده. قال صل الله عليه وسلم: “إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم”، فالمطلوب من الإنسان أن ينشغل بنفسه لا بغيره، وأن يسعى إلى إصلاح داخله قبل أن يمد بصره إلى عثرات الآخرين. وجاء في الحديث الشريف: “من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة”، لتكون رسالة واضحة أن أعظم الفضائل أن نغضّ الطرف عن الزلات، ونترك الحساب لرب العباد.
وهنا تتجلى الطمأنينة الحقيقية: أن نسلّم الأمر لله كما دلّنا النبي الكريم، وأن نمشي في درب الحياة بقلوبٍ هادئة راضية، مدركين أن ما قدّره الله هو الخير كله، وإن غاب عن بصيرتنا وجه الحكمة.
ثم تأتي الفلسفة لتؤكد هذه المعاني بلغة العقل، فتعلّمنا أن الانشغال بالجزئيات يضيع عنا جوهر الصورة الكبرى، وأن الغرق في التفاصيل الصغيرة يحجب عنا فهم الوجود نفسه. فما نفع أن نضيّع أعمارنا في مطاردة ذرات الغبار بينما زرقة السماء تنتظر من يرفع بصره إليها؟ وما جدوى أن نفتش في نوايا الآخرين ونحن لم نفلح بعد في فهم أعماقنا؟
ويأتي الوجدان ليخبرنا بأن القلب كائن هشّ، لا يحتمل هذا الثقل الدائم من المحاكمات والظنون. إنما خُلق القلب ليحب ويعفو ويصفو، فإذا أثقلناه بالجدالات والاتهامات فقد خفته، وذبل كما تذبل زهرة تُركت بلا ماء. وحده التسامح يحرر القلب من قيوده، ويمنحه جناحين يطير بهما نحو سماء أوسع وأرحب.
أما الأدب، فإنه يذكّرنا أن أجمل ما في الحياة أن نعيشها بصفاء، بلا تراكمات من الغضب وسوء الظن. كم من قصيدة عظيمة حملت روح إنسان متخفف من أعباء الجدال، وكم من نص خالد وُلد من قلب آثر أن يكون سلاماً في وجه الحياة بدل أن يكون شوكة في خاصرتها. أن تمرّ مرور الكرام وتترك أثراً طيباً أجمل بكثير من أن تبقى عالقاً في صراع يستهلكك ويستهلك من حولك.
الحياة ليست ساحة لإثبات الذات عبر المعارك الصغيرة، بل هي رحلة طويلة لا تحتمل هذا الكم من الأثقال. كلما قللنا من التدقيق في النوايا، زاد صفاؤنا الداخلي. وكلما تركنا الخفايا لله كما أوصانا الهدي النبوي، تحررنا من وهم السيطرة على ما لا نملك. نحن مأمورون بالعبادة، لا بمطاردة البشر في زلاتهم، كما قال صل الله عليه وسلم: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”، ومأمورون بأن نسعى لما بعد الموت، لا بأن نستهلك أعمارنا في مراقبة من حولنا.
فلنترك الحياة تمضي كما أرادها الله لها أن تمضي، ولنتخفف من عناء المبالغة في التفسير، ولنرحم قلوبنا من جراح الظنون، ولنعش في يقين أن لكلٍّ طريقه وحسابه، كما أن لنا طريقنا وحسابنا. ذلك هو الهدي النبوي الذي يغرس الطمأنينة في القلب، وتلك هي الفلسفة التي تعيد التوازن بين العقل والروح، وذلك هو الوجدان الذي يسكب الدفء في الحياة، وذلك هو الأدب الذي يلون الدرب بالجمال، وتلك هي الشاعرية التي تحول الألم إلى نغمة عابرة.
وتأسيساً على ما سبق، فإننا لسنا سوى عابري دروب، نضيء ما استطعنا من مصابيح الرحمة والمحبة، ثم نرحل تاركين الحكم لمن بيده الأمر كله، فلا يظلم عنده أحد. وكأن وجودنا في هذه الحياة أشبه بظلّ عابر عند غروب الشمس؛ قصيرٌ هو العمر مهما طال، وما يبقى بعد الرحيل ليس صخب الجدال ولا حدة المواقف، بل دفء الكلمة الطيبة، وذكرى القلب الصافي، وومضة الخير التي زرعناها في دروب الآخرين. فالحياة لا تُقاس بما أخذناه منها، بل بما تركناه فيها من أثر، ومن صدًى يظل يتردّد حتى بعد أن نصمت نحن إلى الأبد.
بقلم: مرزوق بن علي الزهراني




