الاعتراف الملعون.. أمريكا وإسرائيل وجهان لجريمة واحدة

لم تكن عبارة من فم رئيس أمريكي — وأي رئيس!.. — مجرد مزحة أو استطراد كلامي عابر. حين قال دونالد ترامب: “نتنياهو كان يكلمني دائما ويطلب سلاحا، هذا السلاح أو ذاك… بعضها لم أكن أعلم إن كان متوفرا، لكننا استطعنا أن نوصلها إلى إسرائيل واستخدموها بشكل جيد”، فقد أفشى بلا قصد أو تبرير أسرار علاقة تقول إن الولايات المتحدة الأمريكية هي المصدر الأول للسلاح الذي يقتل الأبرياء في منطقتنا، وإن الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يكن يوما مجرد تعاون عسكري، بل شراكة كاملة في الجريمة.
هذا الاعتراف الصريح يفضح الدور الأمريكي في تمويل وتسليح آلة الحرب الإسرائيلية التي دمرت المدن وحرقت القرى وقتلت الآلاف من النساء والأطفال. لم يعد بالإمكان بعد اليوم الادعاء بأن أمريكا وسيط سلام أو راع لأي عدالة، فهي المصدر والممول والغطاء السياسي لكل ما ارتكبته إسرائيل من جرائم حرب.
كل برميل متفجر، وكل صاروخ دق نفقا في لحم المدنيين، وكل قنبلة زجت بمدن كاملة في العتمة، كان يحمل توقيعا أمريكيا واضحا قبل أن يسقط على غزة أو الضفة أو لبنان أو سوريا. فواشنطن لم تكتف بتزويد إسرائيل بالأسلحة الأكثر فتكا، بل وفرت لها الحماية الدبلوماسية في مجلس الأمن، والمظلة السياسية التي تبرر القتل والتدمير.
أما في غزة، فالحكاية لا تروى بالكلمات المجردة؛ بل تقاس بعظام الأطفال التي تكسرت على شواطئ المدينة، وبقلوب الأمهات اللواتي دفن أبناءهن، وبأنين الشيوخ الذين لم يجدوا مأوى ولا دواء.
لم يسلم أحد: لا طفل ولا امرأة ولا شيخ ولا مستشفى.
تساقطت الأحياء كأنها أوراق خريف دامٍ، واحترقت الملاجئ والمدارس والمستشفيات تحت القصف الأمريكي الصنع، الإسرائيلي التنفيذ.
لقد تحولت غزة إلى مختبر لتجريب السلاح الأمريكي الحديث، وإلى مقبرة مفتوحة للبشر والحجر.
تقول تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إن عشرات الآلاف من الأطفال والنساء قضوا أو جرحوا، وأن معظم المرافق الصحية خرجت عن الخدمة.
الجرحى يموتون على الأبواب، والعمليات تجرى على الأرض بلا تخدير، والمرضى يتركون لمصيرهم لأن الدواء مقطوع والكهرباء منعدمة والماء ملوث.
لقد دمر النظام الصحي عن بكرة أبيه، وانهار ما تبقى من أمل في الحياة، لتتحول غزة إلى جرح نازف لا يندمل.
وإن من يتحدث عن “السلام” وهو يرسل القنابل، كمن يتحدث عن الرحمة وهو يغرس الخناجر.
فالدعم الأمريكي لإسرائيل لم ينتج أمنا لشعوب المنطقة، بل أطلق العنان لغرور القوة، ومكن الاحتلال من ارتكاب أبشع الجرائم بلا حساب ولا رادع.
لقد كانت أمريكا، ولا تزال، الراعي الأول للإرهاب المنظم في الشرق الأوسط، والسند العسكري والسياسي للاحتلال، والذراع التي تمده بالقوة حين تضعف، وبالغطاء حين يدان.
من هنا، فإن محاسبة إسرائيل وحدها لا تكفي.
العدالة الحقيقية تبدأ من واشنطن، من مركز القرار الذي مول وسلح وغطى وأدار المشهد من خلف الستار.
إن أمريكا هي الشريك الأول في الجريمة، والمسؤولة الأولى عن الدم الفلسطيني الذي يسيل منذ عقود.
وعليه، فإن الواجب الأخلاقي والسياسي يفرض على الدول العربية والإسلامية، وعلى كل الشعوب الحرة، أن تتخذ خطوات واضحة وشجاعة تجاه أمريكا نفسها:
1. المطالبة بتحقيق دولي شامل حول الدور الأمريكي في تزويد إسرائيل بالأسلحة التي استخدمت ضد المدنيين، واعتبار ذلك مشاركة فعلية في جرائم الحرب.
2. قطع العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية حتى تتوقف عن تسليح الاحتلال ودعمه.
3. تفعيل المقاطعة الشعبية العربية والإسلامية للمنتجات الأمريكية، والضغط السياسي والإعلامي لوقف هذا الانحياز الدموي.
4. دعم عاجل لغزة بكل الوسائل الإنسانية والطبية والإغاثية، بعيدا عن المناورات والمصالح الضيقة.
إن اعتراف ترامب لن ينسى، فهو شهادة إدانة موثقة على دور أمريكا في كل مجزرة وقعت، وفي كل صرخة طفل فلسطيني لم تجد من يسمعها.
سيبقى هذا الاعتراف لعنة تلاحق السياسة الأمريكية جيلا بعد جيل، ودليلا على أن الحرية وحقوق الإنسان في قاموس واشنطن قيم انتقائية تستخدم لتبرير القتل حين يخدم مصالحها.
وفي النهاية، لا يمكن لضمير حر أن يقبل بقيام مشروع عالمي يقدم الحماية لصانعي السلاح ويترك الضحايا وحدهم في الميدان.
فليعلن الموقف بوضوح:
أمريكا هي المسؤول الأول عن جرائم الاحتلال، والدول العربية والإسلامية مطالبة بقطع العلاقات معها واتخاذ موقف مصيري يعيد الكرامة إلى الأمة ويحفظ ما تبقى من إنسانية العالم.
فالتاريخ سيكتب ذات يوم: أن من سلح القاتل، شريك في الجريمة، وأن أمريكا وإسرائيل… وجهان لجريمة واحدة.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ




