ترامب وجنون العظمة.. هل يهدد العالم؟

ما نراه في صورة المكتب البيضاوي ليس مجرد مشهد رسمي، بل انعكاس لجنون العظمة الذي يسيطر على شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. تصرفاته، طريقة جلوسه، وسيطرته على المشهد الإعلامي والسياسي، كلها مؤشرات على أنه لا يرى نفسه مجرد رئيس دولة، بل كقائد يفوق المؤسسات والقوانين، وهو ما يمثل تهديدا مباشرا للأمن العالمي واستقرار العلاقات الدولية.
المشهد في الصورة الملتقطة من داخل المكتب البيضاوي ليس مجرد اجتماع رسمي، بل هو لوحة رمزية تحمل الكثير من الدلالات عن شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. يظهر ترامب جالسا خلف مكتبه العريق، متربعا على كرسيه بربطة عنق حمراء فاقعة، فيما يصطف أمامه الضيوف من قادة وزعماء وشخصيات سياسية بارزة في وضعية أشبه بالتلاميذ أمام أستاذهم أو الرعايا أمام ملكهم. تتوزع الأنظار نحوه، يتصدر المشهد بكل تفاصيله، فيما يبدو الآخرون أشبه بديكور إضافي يكتمل به العرض. هذه ليست جلسة سياسية فحسب، بل مشهد إخراجي محكم يهدف إلى تكريس صورة “القائد الأوحد” الذي لا يناقش بل يصغى إليه، والذي لا يجلس بين أقرانه بل يعلو فوقهم.
هذه الصورة تكشف عن واحدة من أعقد سمات شخصية ترامب: تضخم الأنا إلى حد النرجسية المفرطة. فهو لا ينظر إلى نفسه كرئيس لدولة كباقي الرؤساء، وإنما كرمز يتجاوز حدود أمريكا ليجسد نفسه كـ”إمبراطور العالم”. لغة الجسد، ترتيب المقاعد، زوايا التصوير، الأعلام المصفوفة خلفه، وحتى ملامح الجدية المتعمدة في وجهه، كلها تفاصيل توظف لخدمة صورة الرجل الذي يضع نفسه في موقع القطب الأوحد، محور الكون، ومركز القرار الذي لا يعلو عليه صوت آخر. إن ترامب لا يتعامل مع الإعلام باعتباره وسيلة لتغطية نشاطاته، بل باعتباره مرآة يعكس فيها صورته للعالم، وهو هوس يومي يلاحظه كل متابع لشخصيته السياسية.
طريقة جلوسه واستقباله لضيوفه في المكتب البيضاوي ليست مجرد بروتوكول. إنها أقرب إلى مسرح سياسي معد بعناية فائقة. الأعلام ترفرف خلفه كستار ضخم يرمز للقوة، صور الرؤساء التاريخيين تملأ الجدران لتوحي بأنه امتداد طبيعي لهم وربما أكثر منهم شأنا، والضيوف أمامه في مقاعد منخفضة وكأنهم في وضعية “الاستماع”. هو لا يكلف نفسه الالتفات إليهم بقدر ما يحرص أن تكون الكاميرا في مواجهته تماما. ترامب، في الحقيقة، لا يخاطب الجالسين أمامه بقدر ما يخاطب شعبه وأنصاره والعالم أجمع من خلال العدسات. يريد أن يقول للجميع: “انظروا إلي، فأنا القائد الذي يجلس على عرش القوة العالمية”.
الأخطر من ذلك أن هذه النزعة لا تتوقف عند حدود الشكل أو المظاهر، بل تتسرب إلى عمق سلوكه السياسي وقراراته. ترامب مقتنع في قرارة نفسه بأنه فوق المؤسسات، وفوق القوانين، وفوق الدساتير. يعتقد أنه يمتلك رؤية لا يملكها أحد، وأنه قادر على إعادة رسم خرائط العالم بمجرد توقيع أو تغريدة. هذا الاعتقاد الممزوج بجنون العظمة هو ما يجعل سلوكه السياسي محفوفا بالمخاطر، لأنه يفتح الباب أمام اندفاعات غير محسوبة وقرارات كارثية محتملة. من يرى نفسه فوق الجميع لا يتردد في تخطي الأعراف، ومن يتعامل مع منصب الرئاسة كعرش شخصي لا يأبه بتوازنات القوى ولا بمواثيق المجتمع الدولي.
إن صورة ترامب وهو محاط بالزعماء، بينما يتربع وحده خلف مكتبه، ليست صورة عابرة. إنها رسالة سياسية ـ إعلامية ذات أبعاد أعمق مما يبدو. يريد أن يوصل لمواطنيه أنه القائد الذي يجلس في موقع العزة والهيبة بينما العالم كله أمامه. ويريد أن يخاطب معجبيه بأنه الرجل الذي لم تنجب السياسة مثله منذ زمن بعيد، وأنه وحده القادر على فرض إرادته على الخصوم والأصدقاء على حد سواء. إنه يقدم نفسه كما لو كان زعيما فوق الزعماء، وإمبراطورا في زمن الجمهورية.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه في الختام: إلى أي مدى يمكن أن يستمر العالم في تحمل نتائج تضخم الأنا لدى رئيس لأقوى دولة على وجه الأرض؟ وهل يمكن أن يكون جنون العظمة عند ترامب مجرد سمة شخصية، أم أنه تحول إلى نهج سياسي يهدد استقرار العالم بأسره؟ إن الصورة التي أرادها استعراضا للقوة قد تتحول في نظر التاريخ إلى دليل على أن نزعة الفرد حين تتضخم على حساب المؤسسات تتحول من مشهد بروتوكولي إلى مأساة إنسانية.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ




