لا تنسوا أمهاتكم وآباءكم من فيض رواتبكم… فإن العطاءَ إليهم ليس نفقة، بل امتدادٌ للرحمة

في زحام الحياة، وبين ضجيج الطموحات، يركض الإنسان خلف أرقامه، صاعدًا سُلم الراتب شهراً بعد شهر، كأنما يُسابق ظلَّه في سباق لا نهاية له. تستلمه يداه كل آخر شهر، وربما يُقسمه بدقة بين التزاماته: قسط البيت، فاتورة الهاتف، مصاريف الأبناء، نزهة آخر الأسبوع… ثم يغلق دفتر الحسابات مرتاحًا، ناسياً بندًا ما كان ينبغي أن يُنسى: اليد التي كانت تُطعمُه قبل أن يعرف معنى النقود.
أمهاتنا وآباؤنا لا يسألون كثيرًا، لا لأنهم ليسوا بحاجة، بل لأن الكرامة عندهم رفيقةُ العمر. يعرفون ضيقك، فيسكتون. يشعرون بتعبك، فيبتسمون. لكنّ صمتهم لا يعني اكتفاءً، ولا ابتسامتهم تعني غنى. كم من أمٍّ تُخفي دمعها في طرف السجادة، وتُخبّئ حبوب الضغط تحت الوسادة، وتستعير من جارتها سِترًا من ستر الله، فقط لأنها لا تودّ أن تُحرج قلب ولدها.
ليس المال هو ما تريده الأم — بل الشعور بأنك لم تنسَ. أن ما تأخذه في آخر كل شهر، فيه جزء من دموعها، من جُهد أبيك، من تعبِ الليالي التي قضوها ليكبر “ابنهم الموظف” ويصل، ويقف، ويُكرّم.
العطاء للوالدين ليس إحسانًا، بل استرداد لِما لا يمكن ردّه. وليس صدقة، بل لغة حبٍ صامتة لا تحتاج إلى كلمات.
حين تضع جزءًا من راتبك في يد أمك، فإنك لا تعطيها مالًا، بل تقول: “ما زلتُ ابنك الصغير، وسأبقى.”
وحين تمده لوالدك، فأنت تُعلن دون كلام: “شكراً لأنك كنتَ رجلي الأول، وسأظل أتكئ عليك وأنت تتكئ عليّ.”
فكّر في الأمر: ما قيمة الراتب إن لم يُدخل فرحًا على قلب أمّك؟ وما معنى النجاح إن لم يمرّ من عتبة والديك؟
في كل مرة تُنفق فيها على والديك، أنت لا تشتري شيئًا، بل تزرع دعاءً، وتفتح أبواب بركة، وتُعطي الله سببًا ليزيدك.
امنحهم قبل أن يسألوك. اسبق حاجتهم بعطائك، كما سبقوا حاجتك بحنانهم حين كنت لا تعرف إلا البكاء.
اجعل لهم في راتبك نصيبًا، لا كواجبٍ، بل كامتنانٍ عميق. ليس لأنهم فقراء، بل لأنك أغنى بوجودهم، وأفقر دون دعائهم.
إنه أكثر من مال… إنه وفاء.
فلا تنسوا أمهاتكم وآباءكم من فيض رواتبكم،
فقد كانوا، وما زالوا، منبع كل فيض في حياتكم.
“وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعبُدوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا…” – تذكيرٌ إلهي، لا يُمحى.
بقلم: مرزوق بن علي الزهراني




