بلدية توجنين.. حيث تتجسد الإدارة في أنبل صورها

منذ أيام قليلة، ساقني القدر إلى بلدية توجنين، في زيارة عابرة لم أكن أتوقع أن تترك في نفسي هذا الأثر العميق. كنت أظن أنني ذاهب لمتابعة شأن إداري كبقية الشؤون، فإذا بي أشهد لوحة إنسانية نادرة تعيد للذهن صورة المسؤول الحق الذي يدرك أن المنصب أمانة، وأن خدمة الناس عبادة، وأن الكلمة الصادقة والعمل المخلص هما السبيل إلى رضا الله ورضا العباد.

دخلت قاعة البلدية، فإذا بالمكان يعج بالمواطنين، عشرات الوجوه من مختلف الأعمار والطبقات، اجتمعوا في صفاء وأمل مع رجل واحد هو العمدة السيد أحمد سالم ولد الفيلالي. لم تكن القاعة تشبه القاعات الرسمية المألوفة، بل كانت أقرب إلى مجلس شورى شعبي، الكل فيه سواء، والكل يتحدث فيطمئن أن صوته مسموع، وأن كلمته معتبرة.

وقفت غير بعيد أتابع المشهد بانبهار. رأيت العمدة يجلس بينهم دون حواجز ولا حرس ولا تكلف، يسمع لكل متحدث، يتأمل، يبتسم، يسجل ملاحظاته، ويجيب بصدر رحب ووجه بشوش. وكان مما قاله – وقد سمعته بأذني – جملة اختصرت فلسفته في الإدارة والخدمة: لن أخرج من بينكم حتى ألبي مطالبكم واحدا تلو الآخر.

يا لها من عبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها. إنها إعلان صريح أن المسؤولية ليست مقعدا يعلي صاحبه، بل موقف يلزمه، ورسالة تؤرقه حتى يطمئن إلى أن الناس بخير. وما أدهشني أكثر أن الرجل لم يقلها ليتزين بها، بل فعلها بالفعل، إذ بقي بين الناس حتى أنهى معهم كل مطلب وكل قضية على حدة، دون ضجر أو استعجال.

اقتربت من بعض الحاضرين بعد ذلك، وسألتهم عن سر هذا التجمع وهذه الثقة الكبيرة في الرجل. فابتسم أحدهم وقال لي بلهجة الواثق: نحن لا نعرف طريقا إلى حل مشاكلنا إلا من خلاله، فهو الوحيد الذي يفهمنا ويسعى إلينا قبل أن نسعى إليه. وأضاف آخر: كلما ضاقت بنا الحال جئنا إلى البلدية، فوجدنا بابه مفتوحا ووجهه بشوشا. يسمعنا كأب، ويعاملنا كإخوة، ويقضي حوائجنا كخادم مخلص.

وتتابعت الشهادات على هذا النحو، حتى قال أحد كبار السن منهم جملة لخصت كل ما سمعت:هو الرجل المناسب في المكان المناسب.

حين سمعت هذه الكلمة، تذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم: سيد القوم خادمهم.

فقلت في نفسي: هذا الرجل لم يقرأ الحديث فحسب، بل جسده واقعا حيا في كل تصرفاته. فهو بين قومه كالسراج في الظلمة، لا يرفع نفسه عليهم، بل يضيء لهم الطريق.

ثم جال بخاطري قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه:لو عثرت بغلة في العراق لسُئل عنها عمر، لِم لمْ يعبد لها الطريق؟

فقلت: ما أشبه هذا العمدة بعمر في إحساسه بالمسؤولية، وفي خوفه من الله في الناس. إنه من أولئك الذين يعلمون أن الأمانة يوم القيامة خزي وندامة إلا من أداها بحقها.

لقد خرجت من بلدية توجنين وأنا في غاية الإعجاب والامتنان. شعرت أني أمام نموذج نادر من الرجال الذين لا تغرهم المناصب، ولا تبدلهم الأيام، رجال يعملون في صمت ولا يطلبون شهرة ولا رياء. إنك حين تراه تدرك أن الهيبة لا تستمد من المنصب بل من الصدق، وأن العظمة ليست في الكلمات، بل في الأفعال.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عنه أنه يجسد قول الله تعالى:وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ.

فهو يعمل بإخلاص فيرى الله عمله، ويرى الناس أثره، ولا ينتظر من أحد جزاء ولا شكورا.

لقد تمنيت يومها، وأنا أودع البلدية، لو أن في كل إدارة في بلادنا رجلا من طينته، وعقلا من حكمته، وقلبا من رحمته، لكانت البلاد بخير كثير وعدل مستقر. فالمناصب لا ترفع الرجال، بل الرجال هم الذين يرفعون المناصب، ويمنحونها معناها الحقيقي.

وصدق الشاعر حين قال:

لا يُصلحُ الناسَ فوضى لا سَراةَ لهُمُ

ولا سَراةَ إذا جُهّالُهم سادوا

فالعمدة الفاضل من السراة الذين يصلحون ولا يفسدون، يقربون ولا ينفرون، ويجعلون من كل موقع فرصة لبذل جديد.

أسأل الله أن يبارك في العمدة أحمد سالم ولد الفيلالي، وأن يزيده توفيقا وسدادا، وأن يجعل خدمته للناس في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

وأختم بكلمة من القلب:

كم هو جميل أن نرى في هذا الزمن رجالا كهذا الرجل، رجالا يحملون هم الوطن لا هم الكرسي، ويدركون أن خدمة الناس طريق إلى الجنة، كما قال صلى الله عليه وسلم:أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس.

فسلام على كل مسؤول جعل من الأمانة عبادة، ومن السلطة رحمة، ومن الموقع رسالة.

وسلام على من يعملون في صمت ليضيئوا حياة الآخرين، فهم في ميزان الله أعظم من كثير ممن تصفق لهم الدنيا.

يوسف محمدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى