المعرفة… من مرحلة التلقّي إلى مرحلة الصنع

طلب المعرفة ليس حاجة بيولوجية فحسب، بل هو توقٌ وجوديٌّ يسكن جوهر الإنسان، ويحرّكه في رحلة طويلة بين الجهل والنور، بين السؤال والجواب، بين الحيرة واليقين. فالمعرفة لا تُلقى كما تُلقى الحجارة، بل تُزرع كما تُزرع البذور، وتُسقى بالصبر، وتُثمر حين تنضج الفكرة وتتشكل الذات.

في بدايات هذه الرحلة، وتحديدًا في مراحل التعليم الأساسي، يكون العقل كالأرض البكر: صالحة للزرع، لكنها لا تميّز بعدُ بين الغثّ والسمين. في هذه المرحلة، يتحدد دور التعليم في غرس المفاهيم الأولى، وتلقين المعرفة التأسيسية لا بوصفها عبئًا، بل ضرورة وجودية. إذ يُطلب من المتعلم أن يحفظ، لا أن يحلّل، أن يستوعب قبل أن يُنتج، وأن يمتلئ بأسس التفكير قبل أن يتحرر منها.

غير أن انتقال المتعلم إلى المرحلة الجامعية يُعدّ نقطة تحوّل حاسمة؛ ففيها يتجاوز الطالب مرحلة التلقين ليبدأ في التلقّي الواعي، حيث لا تُقدَّم المعرفة كأمر مسلَّم، بل كأفق مفتوح للتفكير والتأمل. وهنا، لا يعود الطالب مجرد متلقٍ، بل يتحول إلى مشارك في المعنى، يبدأ بتدوين المعرفة في داخله بوصفها جزءًا من هويته، لا مجرد مادة للاختبار.

ثم تأتي مرحلة الماجستير لتضيف بُعدًا آخر، إذ لا يُنتظر من الطالب أن يكرر ما قيل، بل أن يبحث عن ما لم يُقل. هنا، تتغير طبيعة العلاقة بين الطالب والمعرفة؛ فهو لم يعد مستهلكًا لها، بل باحثًا في خفاياها، متأملًا في صمتها، ومُسائلًا لظاهرها. في هذه المرحلة، تتكثف القراءة، ويتعمق السؤال، وتتشكل الفرضيات على ضوء وعي متراكم وتجربة عقلية ناضجة.

أما في مرحلة الدكتوراه، فإن الطالب يُستدعى إلى مقام أرقى: مقام صانع للمعرفة. لم يعد يُنتظر منه أن يسأل فقط، بل أن يُنتج إجابة، لا لأن أحدًا فرض عليه ذلك، بل لأن الوعي قد بلغه هذا المقام. هنا، يُطلب من العقل أن يُبدع، لا أن يشرح، أن يُضيف إلى الإرث الإنساني، لا أن يعلّق عليه فقط. في هذه اللحظة، تتحول المعرفة من مطلب أكاديمي إلى التزام أخلاقي تجاه الإنسان والعالم.

ومع ذلك، فإن هذا المسار المعرفي الذي ينتقل فيه المتعلم من التلقّي إلى الصنع، ينطبق على غالب العلوم، باستثناء العلوم الشرعية التي تقوم على النص المؤسس، وتظلّ مرتبطة به في جميع مراحل الدراسة، من التأسيس حتى الدكتوراه. فالمتعلم في هذا الحقل لا يسعه الانفكاك عن النص، بل يُطلب منه أن يفهمه، ويؤوّله، ويجتهد على ضوئه، دون أن يتجاوزه أو يستغني عنه. فالنص في العلوم الشرعية ليس مادة للدرس فقط، بل هو مرجعية عليا لا يُبنى القول إلا عليها، ولا تُنتج المعرفة إلا في كنفها.

ورغم أن هذه الرحلة تبدو مرسومة بوضوح، إلا أن المأزق يكمن في أن من يُفترض به أن يكون دليل الطالب في هذا المسار — أي عضو هيئة التدريس — لا يكون دائمًا على قدر المهمة. والمشكلة، في كثير من الأحيان، لا تعود إلى الطالب الذي لم يبلغ النضج بعد، بل إلى الأستاذ الذي لم يُدرّب أصلًا على إشعال هذا النضج.

فالكثير من أعضاء هيئة التدريس، بكل أسف، لا يجيدون صناعة المعرفة، ولا يملكون لها مدخلًا. ليس لأنهم قاصرون بالضرورة، بل لأنهم لم يُهيَّأوا ليكونوا صنّاعًا للفكر، بل وُضعوا في موقعٍ أكاديميٍّ دون أن يُزوَّدوا بأدواته الحقيقية.

فمن لم يُدرَّب على مساءلة المعطى، والتفكيك، وإعادة البناء، كيف له أن يعلّم غيره فن الصناعة المعرفية؟

ومن لا يرى في المعرفة إلا ما حُفظ وأُعيد، لا ما سُئل عنه وكُتِب فيه، كيف يهدي طالبًا إلى آفاق البحث والاكتشاف؟

هؤلاء كثيرون في مؤسساتنا، يمارسون التدريس لا التعليم، يؤدّون دور الملقِّن لا الملهِم، ويعبرون بالطلاب كما تُعبر الأجسام في المعامل، لا كما يُصاحَب المسافرون في طرق المعنى. يطلبون بحثًا دون أن يدلّوا على منهج، ويطالبون بإبداع لا يعرفون هم كيف يُصاغ.

وبدل أن تكون الجامعة مختبرًا حيًّا لتوليد المعرفة، تتحوّل إلى مصنع يُعيد تدوير ما كُتب، ويستهلك ما أنتجه غيره.

وهكذا، تضيع الفكرة، وتتآكل روح الاكتشاف، وتبقى المعرفة محصورة في التداول، لا في الصنع، وفي التكرار، لا في الثورة على الجاهز. وما لم نُعد النظر في دور الأستاذ الجامعي، ونُعيد له مكانته كقائد فكر، لا كموظف شرح، فإن صناعة المعرفة ستبقى طموحًا معلقًا، لا واقعًا نعيشه.

إن رحلة الإنسان مع المعرفة لا تُختزل في مراحل تعليمية تُقطع بالدرجات والشهادات، بل تُقاس بقدرته على التحول من متلقٍ إلى واعٍ، ومن باحث إلى صانع، ومن عقلٍ يستوعب إلى عقلٍ يُضيء. إنها رحلة تبدأ بالسؤال، ولا تنتهي إلا بالسؤال. فالمعرفة ليست وجهة نصل إليها، بل طريقٌ نسلكه باستمرار، طريقٌ كلما مشيناه اتّسع، وكلما غُصنا فيه، ازددنا ظمأً لما وراءه.

وتأسيسًا على ما سبق، فإن بناء بيئة تعليمية تُنبت المعرفة لا تُفرّغها، يبدأ بإعادة تشكيل دور المعلّم، لا المنهج فقط؛ وباستنهاض عقل الأستاذ، لا عقل الطالب وحده؛ فالمعرفة الحية لا تنمو في قاعات مغلقة، بل في عقول مفتوحة.

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى