الرد بالمثل.. لغة السيادة التي تفهمها واشنطن

في عالم مضطرب تحكمه المصالح قبل المبادئ، لم تعد البيانات الدبلوماسية وحدها كافية لحماية كرامة الدول ومواطنيها. لقد أثبتت مالي، من خلال قرارها الأخير بإلزام المواطنين الأميركيين بدفع وديعة مالية مقابل الحصول على تأشيرة دخول، أن الندية في التعامل والسيادة في القرار هما المفتاح الحقيقي لفرض الاحترام في العلاقات الدولية.
لم تمض سوى أيام قليلة على إعلان واشنطن فرض وديعة مالية على الماليين الراغبين في دخول أراضيها، حتى ردت باماكو بقرار مماثل حاسم وواضح، التزمت فيه مبدأ المعاملة بالمثل، وأكدت أن التعامل المتكافئ هو القاعدة التي يجب أن تقوم عليها أي علاقة بين الدول، مهما كان حجمها أو نفوذها.
ذلك القرار المالي لم يكن مجرد رد آني، بل موقف سيادي مدروس عبر عن وعي سياسي عميق وإدراك لحقيقة أن الكرامة الوطنية لا تقاس بحجم الدولة، بل بقدرتها على الدفاع عن نفسها في وجه أي إجراء مجحف أو غير متوازن.
ولم يطل الانتظار كثيرا؛ فما إن رأت واشنطن جدية الموقف المالي حتى سارعت إلى التراجع عن قرارها واستثناء مالي من القائمة التي تشمل عددا من الدول الإفريقية الأخرى. هذا التراجع السريع يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن لغة القوة الهادئة، القائمة على الحزم والمبدأ، هي اللغة الوحيدة التي تجبر القوى الكبرى على احترام الطرف المقابل.
لقد كانت خطوة مالي خطوة سيادية بامتياز، وفي محلها تماما، لأنها لم تصدر عن انفعال أو انجرار، بل عن قناعة راسخة بأن العلاقات الدولية لا تستقيم إلا على أساس التوازن والاحترام المتبادل. وقد أتت هذه الخطوة أكلها في وقت قياسي، لتقدم نموذجا عمليا يحتذى به في كيفية الدفاع عن السيادة الوطنية بالوسائل القانونية والدبلوماسية المشروعة.
وفي المقابل، نجد أن موريتانيا، رغم ما تمتاز به من رزانة في التعاطي الدبلوماسي، لا تزال من بين الدول التي شملها القرار الأميركي. وكان حريا بها أن تتخذ موقفا مماثلا لما قامت به مالي، ليس تصعيدا، بل تأكيدا على مبدأ المساواة والندية، فالدول لا تحترم إلا عندما تثبت أنها تحترم نفسها أولا.
فإجراءات كهذه لا تواجه بالاستنكار الهادئ أو الصبر الطويل، بل بموقف مبدئي يذكر الطرف الآخر بأن التعاون بين الدول طريق ذو اتجاهين، وأن السيادة ليست شعارا يرفع، بل ممارسة عملية على أرض الواقع.
لقد آن الأوان للدول الإفريقية، ومنها موريتانيا، أن تدرك أن الاحترام في العلاقات الدولية لا يمنح مجانا، بل يكتسب بالمواقف الصلبة والسياسات المتوازنة. وقرار مالي الأخير برهان ساطع على أن الحزم لا يتناقض مع الدبلوماسية، بل يعززها ويمنحها مصداقية أكبر.
إن الرد بالمثل لا يعني العداء، بل هو الترجمة الحقيقية للسيادة والاستقلالية في القرار. وعندما تعامل دولة ما بمثل ما تعامل به الآخرين، فإنها بذلك ترسل رسالة واضحة: نحن نحترم الجميع، لكننا لا نقبل أن يفرض علينا ما لا نقبله لغيرنا.
ولعل الدرس الأبرز من التجربة المالية هو أن الكرامة الوطنية لا تساوم، وأن الصمت أحيانا يقرأ ضعفا. أما الرد المتزن القائم على المعاملة بالمثل، فهو الطريق الأنجع لحماية مصالح الدول وإعلاء شأنها في محيط دولي لا يعترف إلا بمن يملك إرادة الفعل وجرأة القرار.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ




